سوريا من ثورة سلمية إلى حرب كارثية – نوري بريمو

بعد مرور ثلاثة أعوام على الثورة السورية التي اندلعت بشكل سلمي في منتصف شهر آذار 2011م، واتسعت رقعتها أفقياً وشاقولياً وشملت كافة أنحاء سوريا، حيث هب الإنسان السوري في خضم الربيع الشرق أوسطي، وإستطاع أن يكسر جدار الخوف وقامت المظاهرات في طول البلاد وعرضها في إطار تحريك الشارع الذي إنتفض في وجه الدولة الأمنية ورفع شعارات الحرية والكرامة وإسقاط نظام البعث الذي إعتمد الخيار الأمني وتعمّد إستخدام القوة بدلا من الإحتكام إلى جادة صواب التعامل الديمقراطي مع هذه الثورة التي كانت سلمية مئة بالمئة في بداية انطلاقتها.

وبمرور الزمن إزدادت الأوضاع تأزماً جراء الممارسات القمعية لنظام الأسد الفاشي الذي حشد شبيحته وجنجويده وإستجلب مجاميعه الطائفية المسلحة من كل حدب وصوب، مما أدى بالمقابل إلى بروز ظاهرة التسليح المضاد للدفاع عن المظاهرات التي لعب النظام معها لعبة القط والفأر!، وقضى عليها وأخلى الشوارع منها باستخدامه لشتى صنوف الاسلحة الفتاكة المحرمة ضد المدنيين كالطائرات والصواريخ اللوجستية والمدافع والدبابات والبراميل المتفجرة و…إلخ، ليس هذا فحسب بل أقحم البلد في حرب كارثية غير متكافئة ضد الشعب الأعزل، وترك الحدود مفتوحة لعبور المجاميع الإرهابية كداعش وجبهة النصرة وغيرها، لتشويه سمعة الثورة وللعبث بمصير السوريين في المناطق التي حررها الجيش الحر، عبر إختطافهم واعتقالهم ونهب ممتلكاتهم وفرض شرائعهم الجاهلية وتشديد الحصار على المدن والأرياف الآهلة بالسكان والتضييق على حرياتهم وحرمانهم من المواد الأساسية والأدوية والأغذية، وبذلك إستطاع النظام أن يشعل فتيل الفتنة المذهبية وكشف عن حقده الطائفي الدفين وكراهيته لمكونات سوريا بلا تمييز وخاصة العرب السنة والكورد والتركمان و…إلخ، وعلى اثر ذلك قُتِل مئات الأولوف وتهجّر الملايين هرباً من القصف بالكيمياء وبراميل الموت.




ومع تمدّد دائرة الصراع وإحتدام المعارك ومفاقمة مظاهر العنف والعنف المضاد بين النظام والشعب السوري، وبفعل مفاعيل طائفية تأتمر بأوامر جهات إقليمية تجشر بأنفها وتسعى لتشكيل هلالها الشيعي، كان من الطبيعي أن ينحرف قطار الثورة السورية عن سكته السلمية، وأن تتدحرج البلاد إلى أتون حرب أهلية كارثية لا غالب فيها ولا مغلوب وأدت إلى انهيار مختلف البنى التحتية والفوقية.

ورغم تأزم الأحوال السورية التي لم تعد تُحتمَل على الإطلاق، فإن المجتمع الدولي وقف ويقف موقف المتفرج السلبي، ولم يكن حازماً حيال هذا المشهد الدامي الموصوف بمأساة العصر، مما أدى إلى إنسداد آفاق الحلول السلمية وفشل مؤتمر جنيف2 الخاص بالشأن السوري المحصور حالياً في عنق القارورة بإنتظار إيجاد مخرج دولي يوقف حمامات الدم ويقف إلى جانب السوريين لتخليصهم من شرور هذا النظام الذي ينبغي أن يرحل بأي شكل كان ومهما كلف الأمر، ليتسنى لأهل سوريا أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم عبر التوافق السياسي لتحويل سوريا إلى دولة لامركزية يسدوها الحق والقانون والدستور ويحكمها نظام تعددي فدرالي يضمن الديموقراطية لسوريا وينصف جميع المكونات ويحقق الفدرالية لكوردستان سوريا، وفي هذه الحالة يتطلب من المعارضة السورية ألا تفكر بعقلية شوفينية بل على العكس ينبغي عليها أن تكون أكثر إلتزاماً وإقراراً بحقيقة تنوع أطياف سوريا بعربها وكوردها وأشورييها و..إلخ، وأن تنحو نحو توفير فضاءات التعايش الأهلي وحوار هذه الحضارات المتجاورة عبر التاريخ، بعيدا عن الأنانية وضيق الافق والنعرات الطائفية والشوفينية وعن عقلية الاقصاء والانكار والتنكر.

وفي كل الأحوال…لا بديل عن إيقاف هذه الحرب الكارثية لإنقاذ سوريا من طغيان هذا النظام المجنون لا بل المسعور بكل معنى الكلمة، لكن يبدو أن نظام الأسد لن يسقط ما لم تتلاقى الإرادة الدولية وتتخذ قراراً صارماً يقضي بوتجيه ضربة عسكرية من شأنها أن تؤدي إلى إسقاطه ورحيلة بلا رجعة.