سمير جعجع هو “الولي الفقيه” الذي ينتظره اللبنانيون؟ – شربل الخوري

بهذه الكلمات بادرني صديقي الاردني الدكتور كمال ريحان أحد أبرز مدرسي مادة العلوم السياسية في جامعة اميركية مرموقة وصمت صمت المتحسر على لبنان الذي زاره في نهاية الستينات ومكث فيه حتى بداية الحرب فهرب من أتونها بعد مضي سنتين على نشوبها معللا نفسه “بانها ستقف قريبا لامحالة” ولكنه غادر الى اميركا قبل ان يرى العافية تدب فيه من جديد في مطلع القرن العشرين ليعود مرة اخرى الى واجهة السياحة والحياة الجميلة بكل ابعادها والوانها..ولكن “تدخل ايران وسوريا بشؤونه الداخلية عبر ميليشيات حزب الله حوله من جديدة الى شبه جثة هامدة بانتظار ان تزف ساعة موتها فتدفن في مقابر النسيان والعالم الحر الذي دافع عنه لبنان طويلا يتفرج عليه وينتظر ذلك, فهل يعقل هذا الامر؟”ختم حديثه بهذه الكلمات وهو يتمتم بلهجته الاردنية:سمير جعجع بيقدر يشيل الزير من البير؟

كنا نتناقش سوية بموعد انتخابات رئيس الجمهورية وعدد المرشحين وامكانية حصول الجلسة النيابية كون”مفاتيح”المجلس في جيب الرئيس نبيه بري الذي حوله الى حديقة خاصة لمصالحه وأهوائه هو وشريكه الثنائي الاخر حزب الله الذي يلعب معه أخطر الادوار في تبادل واضح للكرة التي تمزق شباك لبنان واللبنانيين الاقتصادية والمالية والثقافية والاجتماعية والسياسية وكل مظاهر الحياة الاخرى فيه.




يعتقد الكثيرون من الاخوة العرب ,وبعضهم من رجال الفكر والراي,بأن كل السياسيين اللبنانيين من نفس الطينة ,بشقيها السلبي والايجابي,وهم لا يفرقون ,لجهلهم صيرورة الامور من جهة,والتاريخ الحقيقي بكل ابعاده وحقيقته من جهة اخرى ,بين وليد جنبلاط مثلا الذي يستدير حول نفسه بسرعة هائلة وبين سمير جعجع الذي لم يتزحرح عن مبادئه قيد انملة على رغم كل الصعاب والمؤامرات التي تعرض لها سواء من الاعلام العربي خلال فترات الحرب وبعض الاعلام اللبناني الذي كانت ارتباطاته المخابراتية والاموال التي يجنيها من خزائن مخابراتية توجه قنابلها الدخانية لتعمية الراي العام وقلب الحقائق لخدمة أهداف مؤامرة ظهرت أهدافها بوضوح في النتائج التي وصل اليها الوضع الحالي في لبنان وسوريا والمقاومة الفلسطينية وما افرزته على صعيد الشرق الاوسط بما فيها اسرائيل من انعكاسات دراماتيكية في كثير من الاحيان سببه التامر المستمر على لبنان والقضايا العربية الاخرى والتي كان عماده نظام البعث السوري ورجالاته في العهدين المستمرين من الاب الى الابن وقد دفعت كل مؤسسات لبنان ضريبة كبيرة سواء على صعيد الاداء او على صعيد الاختيار.

والذين يعرفون سمير جعجع عن كثب,يعرفون ان إعادة البلد الى مساره الصحيح وتخليصه من التعفن الذي يطيح به قد يكون اليوم بامس الحاجة الى هذا الرجل الذي تخطى كل سلبيات الحرب التي طالته كما طالت كل القيادات الاخرى وإن لم تستطع تخطيها كما فعل منذ اللحظة الاولى لقبوله بالطائف وبالتالي تسليم سلاح القوات اللبنانية الضارب الذي لم تقو عليه سوريا الى الدولة اللبنانية ورفضه الوصاية التي تريد ان تبلع لبنان فكان نصيبه السجن الى ان خبر اللبنانيين جميعا كيف كانت تدار اللعبة من قبل بشار الاسد ومخابراته حتى انتصر اللبنانيون في النهاية وعرفوا فعلا وليس عبر الدعاية المغرضة والسيئة ,الدكتور سمير جعجع .وبما انه قدم اعتذارا علنيا عن المرحلة التي اطلق عليها حربا أهلية فالتكلم عن جوانب اخرى في تاريخه غير تلك  التي تنبش لاهداف لا تخفى على احد ,اقلها خوف بشار الاسد وكل من لف لفه من رجل في سدة الرئاسة بحجم سمير جعجع على كافة الاصعدة التي يتمتع بها رجل دولة يحلم بام تكون دولته غير منتقصة السيادة قيد انملة ومركزها الاقتصادي والانمائي والاجتماعي والثقافي والتربوي والعلمي والعسكري لا يقل عن اية دولة في العالم الذي يحترم فيه الشعب والمواطن مهما كان دينه او ثروته او حجمه بمن فيهم المقطوعين من شجرة .لأن الانسان عنده فوق كل الاعتبارات.

اقول هذا الكلام ليس دفاعا عنه او تطبيلا له ,بل انطلاقا من معايشتي لكثير من الامور بشكل يومي مباشر عندما كان قائدا للقوات اللبنانية التي كانت تهتم بالمناطق السماة في ذلك الوقت الشرقية ,وقد تثلج هذه المعلومات قلب الفقراء والمعوزين مثلما تفرح قلب رجال المال والاعمال وأصحاب الثروات الهائلة والمستثمرين اللبنانيين والاجانب.في العام 1987 عمل سمير جعجع مع فريق عمل كنت واحدا منهم على إطلاق مشروع متكامل للاهتمام بالقضايا الاجتماعية والتربوية والانمائية بعد ان وطد الامن بشكل كامل .وأصبحت عناوين وسائل الاعلام في ذلك الزمن وحديث كل شفة ولسان ,خدمات النقل العام حيث رُبطت كل القرى والدساكر بالمدن الرئيسية من أعالي فاريا وبلاد جبيل والبترون العالي الى مناطق بعبدا مرورا بالمتن الشمالي وبيروت وكان ذلك بمثابة ثورة في ذلك الوقت الذي ارتفعت فيه اسعار البنزين والمحروقات وتقاعست الدولة عن تقديم هذه الخدمات التي يحتاجها الناس خصوصا القراء وأصحاب الدخل المحدود للتواصل والعمل, فقام سمير جعجع بضخ الدماء في شرايين المواصلات محملا كل نفقاتها لميزانية القوات اللبنانية لايمانه بصرورة تفعيل هذه الشرايين الهامة بل الحيوية للدورة الاقتصادية فارتاح كل القاطنين في هذه المناطق وباتوا امام الية منظمة تعمل على مدار الساعة وفق ترتيب مفصل تعجز عنه حكومات   بعينها وأُنشئت  مديرية وقتها للاهتمام بكل أعمالها الادارية واللوجستية واسندت مهمة ادارتها الى السيد إدي ضومط لانه من الاشخاص الاكفاء ولم يكن له علاقة بالقوات اللبنانية ,لا من بعيد ولا من قريب .

أما الامر الثاني ,الذي كان وقعه الايجابي على المواطنين عظيما فقد كان في مؤسسة “التضامن التربوي والصحي”التي كان عملها ينحصر بتقديم كل مايلزم على هذين الصعيدين في ظل الظروف الصعبة انذاك لتأمين متطلبات التحصيل العلمي في المدارس وتقديم الدعم الجزئي او الكامل للطلاب واولياء امورهم من أقساط وكتب واحتياجات مدرسية أخرى وفقا لدراسات واحصائيات شملت كل المناطق الشرقية في ذلك الوقت,إعتمدت العلم والشفافية سلاحا لها وقد استفاد منها أكثر من 50الف شخص في مختلف المراحل .اما بالنسبة للقضايا الصحية خصوصا عمليات القلب المفتوح التي كانت قد بدأت المستشفيات إجراءها فقد اوعز سمير جعجع الى المسؤول عن الامور الصحية بأن يكون هذا الموضوع من الاهمية بمكان بحيث انه لا يجوز أن يعاني أو يموت أي إنسان قاطن في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات اللبنانية  بسبب فقره او عوزه او عدم تمكنه من دفع التكاليف .والذين استفادوا من ذلك عشرات الالاف ومنهم من كان غير مسيحي وهم يتذكرون ذلك تماما وفي هذه المؤسسة التي كانت شغل وسائل الاعلام المحلية والاجنبية لما حملته من تطلعات إجتماعية في تلك الايام ,كان يرأس أعمالها الدكتور فكتور غريب استاذ العلوم الاجتماعية المعروف والذي كان بعيدا عن القوات اللبنانية ايضا الا ان كفاءته وعلمه وضعاه في هذا المكان دون الاخذ بعين الاعتبار هويته السياسية.

أما الامر الثالث والاهم كان في استحداث ربط مالي بين الفقراء والمعوزين وأصحاب الدخل المحدود تبعا لدراسات شملت كل المناطق التي كان متعارف عليها “بالشرقية” في ذلك الوقت.وقد تم هذا الربط بشكل علمي ومباشر ضمن مشروع عُرف بالتوأمة بين العائلات المقيمة والاشخاص المتبرعين سواء من الداخل او الخارج يتم فيه استلام القيمة التي يحتاجها الشخص او العائلة للعيش بكرامة مباشرة بواسطة تحويل شهري الى حساب صاحب العلاقة من المتبرع دون المرور باي وسيط او وساطة او شفاعة غير شفاعة البيانات والمعلومات المدققة ..هذه الامور وغيرها من الامور الاخرى أضاءت الامل في ذلك الوقت لكل الناس وجعلتهم يتشبثون بالارض ويتخلون عن الهجرة طالما ان الامن استتب بشكل لا مثيل له وكل الامور الحياتية والصحية والاجتماعية قد عولجت ..وها هو الامل لجميع اللبنانيين يطل من جديد ..الامل باستعادة ما فقدوه منذ منتصف سبعينات القرن الماضي,بدولة مؤسساتية,واقتصاد زاهر,وأمن فوق الجميع,وعدالة إجتماعية تقارب إن لم تتفوق على مثيلاتها في اوروبا,وحرية رائدة ,وجيش وقوى أمنية لا رديف لهما من هنا او هناك ..هذا هو الامل الذي يحلم به اللبنانيون ويجسده الدكتور سمير جعجع ..مهما قال عنه السفهاء ورموه بسهام الحقد والغدر والاتهامات التي تفبركها أجهزة مخابرات سوريا وكل من لا يحبذ قيام دولة قوية قد يبقي على نفوذه وتقاسم المغانم مع غيره من الشلة التي مجها الشعب وبات يعرفها ويعرف الابيض من الاسود اكثر من اي وقت مضى ..على رغم الحملات المسعورة الرامية الى منع قيام الدولة عن طريق غسل الادمغة بالمعلومات الكاذبة والمخادعة والمحرضة .

قد يكون سمير جعجع هو “الولي الفقيه”  الذي ينتظره اللبنانيون جميعا وليس الشيعة فقط.لانه إن وصل الى الرئاسة سيملأ لبنان,دون أدنى شك, عدلا ومناقبية وأخلاقا وقسطاسا  الى جانب السيادة والحرية والكرامة.وقد يكون “القديس”الذي سيحقق النبوءة القائلة بقيامة لبنان من الاحتضار واستعادة كل الشاردين الى حظيرة الوطن.