العولمة بدأت منذ فجر التاريخ .. تمدد عالمي واسقاطات وفرضيات وهيمنة للاحتكارات الكبرى – د.فؤاد خشيش

المعنى والأهداف:

لفظة العولمة هي ترجمة للمصطلح الإنكليزي (Globalization)، وجوهرها هو السيطرة “ما فوق الحكومية” و”ما فوق الوطنية”، المتمثلة بالشركات متعددة الجنسيات العابرة لحدود الدول والأقاليم والقارات. من هنا  فالعولمة هي النتيجة المباشرة والمنطقية لتطور النظام الرأسمالي على المستوى العالمي الواسع، والذي يملك الوسائل الاقتصادية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والعسكريةكافة. وهي قادرة على الانتشار في العالم أجمع مخضعةً الجميع لمنطقها الاستهلاكي وتداعياتها الشمولية عن طريق تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات.وبهذا المعنى،العولمة هي اشكالية اساسية في النظام العالمي المعاصر، نظام ما بعد الحرب الباردة وهو نظام لم تكتمل معالمه بعد من حيث عدم استقرار هيكل توزيع القوى ولا انماط السياسات او طبيغة التحالفات، وكذلك القضايا المركزية التي تلقي بثقلها في تطور النظام وصياغة ملامحه. القضايا التي تتاأثر به وتؤثر فيه ايضاً. كما اننا نشهد بروز عناصر قوة جديدة او اعادة ترتيب لعناصر القوى من حيث الوزن، وذلك عبر كل قضية او مجال قائم.*1




وتبدو العولمة في هذا الاطار كإحدىاهم سمات تشكيل نظام عالمي جديد. فمن ثورة المعلومات والاتصالات التي همشت لدرجة كبيرة المسافات الجغرافية والزمنية واسقتطها احياناً، الى ثورة الاقتصاد العابر للدول والخارج احياناً وفي مجالات متعددة عن سيطرة الدول،، الى عولمة الارهاب والجريمة المنظمة وعولمة الاذواق والامزجة ، كلها عناصر اندماج بعضها سلمي، وبعضها الآخر حامل للتوترات. عناصر تؤثر بشكل كبير في السياسات الداخلية والخارجية، وتلك العابرة للدول بحيث اصبحت الدولة الوطنية منكشفة ولو بدرجات مختلفة بين حالة واخرى في مجالات متعددة، وصارت السيادة مسألة نسبية على ارض الواقع.*2

فاذا كانت الاتصالات والاقتصاد عناصر اندماج في اطار العولمة تجعل من العالم بمثابة مدينة صغيرة مكتظة وليس هادئة كما تصور البعض فان الجانب الاخر جانب الثقافة او ثورة الهويات والاحياء الهوياتي بمختلف اوجه واشكال الهوية يمثل جزءاً منه رد فعل كحماية امام التطورات العالمية التي تحصل على كافة الصعد.

يقول “هانس بيترمارتن” و”هارالد شومان”، صاحبا كتاب “فخ العولمة”،(الذي ترجمه د. عـدنـان عــباس عـلـي ونشرته سلسلة “عالم المعرفة)، إن “العولمة هي عملية الوصول بالبشرية إلى نمط واحد في التغيير والمأكل والملبس والعادات والتقاليد”.

وبمنطق العولمة يتحوّل رأس المال الوطني إلى رأس مال عابر للحدود، فيفقد الصبغة “الوطنية”، وتتحرر الشركات متعددة الجنسيات (الشركات ما فوق الوطنية) من انتمائها لأية دولة بعينها، فتبني مصانعها ومؤسساتها أينما يحلو لها بمجرد أن تتوفر اليد العاملة والمواد الخام الأرخص والأقل تكلفة. وهكذا ينتفي مفهوم “خيانة الوطن” بالنسبة لـ “المواطن المعولم”، فيصير رأس المال ذاته بمثابة الوطن، وينشأ مفهوم جديد هو “البيت” الذي يبنيه أو يشتريه حيث يجد الراحة في أي مكان على الكوكب.

وإلى جانب ذلك سجّلت بعض “الظواهر والمتغيرات التي حدثت على الساحة العالمية والتي أدّت إلى مزيد من الترابط والتداخل بين دول العالم بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، مركز الثورة التكنو ــ إلكترونية، بفضل تقنياتها ومناهجها وممارسات التنظيم الجديدة على حد تعبير “بريجنسكي” (3)، وهي اكتسبت صفتها العالمية من خلال ما تعنيه من “لحركة المعقدة لانفتاح الحدود الاقتصادية وليونة التشريعات، مما يشجع النشاطات الاقتصادية الرأسمالية  على توسيع حقل عملها  ليشمل المعمورة برمّتها” (4)، ويتم ذلك بواسطة الشركات متعددة الجنسيات. كما تعمل العولمة على تنمية حسّ الاستهلاك والخضوع المطلق للقنوات التلفزيونيّة الفضائية وتوجيه الإعلام وسيادة قيم التجارة والربح. هذا طبعاً، بالإضافة إلى ما يمكن أن ينتج عن هذا التوجه من أزمات تطال مسألة الانتماء ووعي الهوية يمكن أن تنقلنا من عصر”نهاية التاريخ” إلى بداية عصر جديد، يمكن أن يكون “بعض” بداياته نوع من “صدام الحضارات” من أجل إعادة  صنع  النظام  العالمي. (5)

انتهت الحرب الباردة عام 1991 بتفكك الاتحاد السوفياتي وزوال تأثيره السياسي والعسكري، فزالت بذلك الثنائية القطبية التي كانت تتقاسم الهيمنة على العالم، لتبدأ مرحلة سيطرة وتفرّد القطب الواحد المتمثّل بالولايات المتحدة الأميركية التي باتت صاحبة الكلمة الفصل والمتحكمة المنفردة بمصير العالم، مطلقة على الوضع المستجد التسمية التي ترددت كثيراً وهي “النظام العالمي الجديد”.

وبينما كان هذا النظام  في طور تشكّله وتثبيت دعائمه، جاءت حرب الخليج الثانية لتتيح للولايات المتحدة إعادة إنتاجه بما يتوافق أكثر مع متطلباتها. وهي لم تتوانَ عن استغلال مبادئ النظام نفسه القائمة على الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والاستقرار وعلى التنمية واحترام قواعد القانون الدولي، فعملت على إعادة صياغتها إعلامياً من أجل تأمين أكبر حشد من التأييد الدولي لسياستها تجاه أزمة الخليج الثانية، ومن أجل الظهور بمظهر المدافع عن القيم الأخلاق والإنسانية على مستوى العالم أجمع. وبدا العالم في هذه الفترة  خاضعاً مستكيناً وكأنه في حالة سُبات أمام المارد الأميركي المنتشي بتفرّده على القمة. وجاءت الأحداث العالمية التي تلت وتواصلت لتبيّن حقيقة جديدة لم تكن واضحة في البداية، حيث ظهر أن الأميركيين استبدلوا “الحرب الباردة” التي كانت تحكم علاقاتهم بالاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، بحرب نارية مباشرة يشنونها ساعة يشاؤون، حسب ما تقتضيه مصالحهم، ضدّ الدول التي يصفونها بالعدوّة(1) ، وباتوا يختلقون الذرائع والمبررات  للتدخل في النزاعات (أو للتسبب بها) في مختلف أرجاء العالم بحجة حماية الديموقراطية تارة ، أو إنقاذ الأقليات المضطهدة تارة أخرى، إلى ما هنالك من يافطات-أعذار، عاملين على إضفاء الشرعية على ما يقومون به من خلال الدول الدائرة في فلك واشنطن والمنظمات الدولية التابعة لتوجهها والخاضعة لهيمنتها، في نظام هرمي لا يقبل المشاركة ولا يسمح بالفكاك من كمّاشة “النظام العالمي الجديد”، نظام القطب الواحد، الذي يملك، بالإضافة إلى الذراع العسكرية المتطورة، أحدث ما توصلت إليه عبقرية الإنسان من التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي وشبكات التواصل في الإعلام والدعاية وإغراءات الاستهلاك. (2)

وشهد مسار العلاقات الدولية في تلك المرحلة العديد من  التحولات الاستراتيجة على المستوى الدولي الواسع، تركت آثارها المباشرة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية المرتبطة بالأساس بتطور الرأسمالية العالمية، وبانتصار قيم السوق والليبرالية السياسية. فاقتصاد السوق وتشجيع الخصخصة والتطور التقني وازهار وسائل الاتصال والليبرالية الاقتصادية بشكل عام وعلاقتها الوطيدة بالليبرالية السياسية والثقافية، كل هذه ساهمت وهيأت الظروف لظهور ما ُسمّيَ بالعولمة، وهي اللفظة التي  تستعمل كتعبير عن المرحلة العليا من التطور الدي بلغه الاقتصاد الرأسمالي العالمي.

الواقع أن الطموح نحو توحيد العالم ودمجه هو طموح قديم وقد ظهر في مختلف الأديان والفلسفات والإيديولوجيات على مرّ التاريخ. لكن العولمة اليوم تتجاوز كل ذلك من حيث أهدافها المرسومة وطموحها إلى مرحلة أعمق من الاندماج العالمي، ما يقتضي التوجه نحو إخضاع جميع المجتمعات لنمط اقتصادي واحد وموحد عالمياً، وقيم وأنماط تفكير واحدة، تحت قبّة القوة المتفرّدة  المهيمنة.

المراجع :

1*د. ناصيف حتي/ مقدمة كتاب العولمة / د. وليد عربيد، العولمة بين الثقافة والاقتصاد، دار المهى، بيروت 2013

·        2-مرجع سابق/ د. ناصيف حتي