الرئيس الحلم

مسعود محمد – بيروت اوبزرفر

احتدام النقاش حول الانتخابات الرئاسية اللبنانية أعادني بالذاكرة القريبة الى يوم ١٤ شباط  ٢٠٠٥ وانتفاضة الشعب اللبناني لتثبيت استقلاله وسيادته، وتساءلت ان كان هناك أحد ممن نصبوا قيادات لتلك الانتفاضة مهتم لمعرفة رأي جمهور تلك الانتفاضة. بالمناسبة انتخاب الرئيس هو حدث مسيحي ماروني بالشكل الا انه بحقيقته حدث لبناني وطني بامتياز، ومن هنا يبدأ النقاش.
استعيد في هذه المناسبة مشاهد من انتفاضة الأرز وما تلاها لا تزال حية في ذاكرتنا.




المشهد الاول: جورج حاوي لنذهب بالتغيير الى الآخر ونسقط دكتاتور بعبدا

اذكر بما قاله الشهيد جورج حاوي حول الدور السوري في لبنان ” ان النظام السوري ما زال لا يدرك حجم المتغيرات العالمية، وما زال يعتقد بمبدأ الصفقات، ان العلاقات المتينة ليست رهناً لا بعدد القوات ولا بعدد ضباط المخابرات وبعدد المخبرين الأنذال. بئس علاقة بسوريا لا تستقيم إلا بفرقة اللبنانيين وخلافاتهم وتقاتلهم، وما أسخفها تلك القيادة السورية التي تورطها طبقة سياسية لبنانية، ان الدم هذه المرة إذا ما دفع في لبنان، لن يبقى محصوراً في إطار لبنان”. وكأنه كان يتنبأ بانتفاضات العالم العربي وربيعة رفضا للظلم والقهر وما تتعرض له الشعوب. عندما سأل عن الحل عشية انتفاضة الاستقلال قال ” إسقاط الدكتاتور القابع في بعبدا … إسقاط رمز الوصاية إميل لحود “. كان شعار جورج حاوي الذي لطالما ردده ” عندما يكون الوطن في خطر تسقط النيابة والوزارة وكل اعتبار شخصي .. “.

المشهد الثاني: ترشح الرئيس الحلم

ترشح الرئيس الحلم نسيب لحود للرئاسة عام ٢٠٠٧ والذي له اعطي صوتي في عليائه، وفي بيان ترشيحه الذي جسد تطلعات جمهور ١٤ آذار العريض قال ” يلتئم مجلس النواب في غضون الاسابيع المقبلة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. هذه المرة، تأتي انتخابات الرئاسة ولبنان يمتلك فرصة حقيقية للامساك بزمام مصيره. وللمرة الاولى منذ عقود، تاتي انتخابات الرئاسة من بوابة الحرية والاستقلال والسيادة، التي دفعنا جميعا غاليا، وكل من موقعه، ثمن استردادها. هذه المرة، تتيح انتخابات الرئاسة فرصة سانحة لفتح صفحة جديدة، ولتجديد عقد الشراكة الوطنية، الذي ابرمه اللبنانيون، هم، وآباؤهم واجدادهم من قبلهم، للعيش معا، ليس على ارض واحدة فحسب بل في ظل دولة واحدة، لا شرعية فوق شرعيتها، ولا سيادة فوق سيادتها.
عشية هذا الاستحقاق المصيري، تزدهر المناورات والمناوشات والتشكيكات، الرامية الى تعطيل الانتخابات وصولا الى الفراغ في رأس هرم الدولة والجمهورية، وهو فراغ مرير سبق للبنانيين ان تجرعوا كأسه المرة في مراحل سابقة. في مقابل التهويل والترهيب والتعقيد، فان طرحنا بسيط وواضح، وهو اتمام الانتخابات وفق الاصول، اي وفق مشيئة اللبنانيين ونوابهم. المطلوب انتخابات تعطي بارقة امل جديدة للبنانيين، وتعطيهم يقينا بأن وطن الارز جدير بالحياة. المطلوب اشعار اللبنانيين مجددا، بأن طاقاتهم الفردية الخلاقة ونجاحاتهم الخارقة والباهرة في اربع جهات الارض، وفي اكثر من 150 دولة في العالم، لها منبت ثابت، وارض صلبة عريقة هي ارض لبنان.
خلافا لحملات التشكيك ومناورات التهويل الهادفة الى التعطيل، ثمة في المقابل اسئلة وتساؤلات، يعبر معظمها عن هواجس حقيقية او تطلعات مشروعة. ان الافصاح عن هذه الهواجس من قبل الجميع وتداولها وتبادل التطمينات والضمانات حولها، هو مدخل طبيعي لتبديدها، ولتعبيد الطريق لصناعة مستقبل مشترك، تماما كما الاعتراف المتبادل بالتضحيات والاسهامات الايجابية هو المدخل البديهي لانصاف الآخر”.

المشهد الثالث: إغتيال حاوي رسالة مفادها ” التغيير ممنوع”

رسالة اغتيال جورج حاوي لم تأتي بسبب مواصفاته الشخصية وبسبب تاريخه النضالي بلل أتت بإطار محاسبته على مسألتين أساسيتين،
١- قدرته على طرح نهج التغيير ودوره المستقبلي باطار قدرته على اجترار آليات حوار قادرة على انتاج التغيير.
٢- إفهام التحالف المنتصر في الانتخابات النيابية عشية انتصار قوى ١٤ آذار بأكثرية مريحة في المجلس النيابي العام ٢٠٠٥  بوجوب الدخول في تسوية والتسوية كانت، تقتضي طي صفحة التغيير الذي نادى به جورج، سواء في رئاسة الجمهورية ( دعوته لاسقاط دكتاتور بعبدا) أم في رئاسة مجلس النواب أم في تركيبة الحكومة الجديدةو بالتالي التركيبة السياسية.

حقق القتل هدفه وأعيد انتخاب نبيه بري رئيسا للمجلس النيابي وفرض على ١٤ آذار تسوية الدوحة في ظل سلاح وتحت وقع عملية ٧ أيار العسكرية وتهديد القمصان السود التي نفذتها مليشيا المقاومة الحزب إلهية في بيروت.

المشهد الرابع: ما أشبه الأمس باليوم

جلسة انتخاب أولى يبرز فيها الدكتور سمير جعجع مرشحا قويا جديا ممثلا لاتجاهات ١٤ آذار، تعطيل الجلسة الثانية بانسحاب نواب ٨ آذار، وحدد الرئيس بري جلسة الاربعاء القادم، ومقدر لها ان لا تلتئم قبل اكتمال عناصر تسوية جديدة شبيهة بتسوية ال ٢٠٠٥ عنوانها حلو وطعمها مر، لن يتردد من يسوقها بتعميدها بدم جديد لفرضها.

خلاصات:

ان استسلام “تحالف 14 آذار” لهذه المقايضة حالياً ومستقبلا، وبعض قوى ١٤ آذار ليست بعيدة عن هكذا تسويات ( حكومة الرئيس سلام نموذج)  سيبقي البلاد تحت رحمة “قتلة شهداء ١٤ آذار” الى أجل غير مسمى اذا ما لم يؤدي الى تغيير جذري بوجه لبنان التعددي، وسيجعل من الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي رئيس فلكلوري أقرب الى شخصية ” ابو ملحم” دون ان يمتلك قدرة أبا ملحم على اجترار الحلول.

خيارات ١٤ آذار:

لأن المسألة بهذه الدقة، على “تحالف 14 آذار” التوجه الى المقاومة المدنية والسياسية وفرض معادلاته فرضاً، لأن صنع المستقبل أثمن من الضن بقافلة جديدة من الشهداء. ان بناء المستقبل يستحق التضحيات يفترض بتحالف 14 آذار ان يرفض الدخول في “معادلة المقايضة”، مما يقتضي استلام السلطة بشكل كامل أو الخروج منها بشكل كامل.
ولا يخفى على أحد، أن بدء التأسيس للمستقبل المنشود يكون بإعادة هيكلة جذرية للأمن اللبناني، وذلك من خلال دمج بعض الأجهزة الأمنية أولاً وتسليمها ثانيا الى اكفياء وليس الى مطواعين، والانطلاق، ثالثاً، في ورشة إعادة تأهيل المخبرين، والتجرؤ، رابعاً، على تفكيك الأجهزة الأمنية لميليشيات أحزاب سوريا أو “أصولي” سوريا أو “فلسطينيي” سوريا، أول “سلطويي” سوريا.

ببساطة، التسوية تعني إبقاء اللبنانيين رهينة المعادلة التي أدت الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبقية الشهداء: الانصياع وإلا القتل.

ثمة من يفضل المواجهة على الانصياع. بهؤلاء تبنى الأوطان، لننتخب الرئيس الحلم لننتخب الرئيس المجسد لتطلعات ١٤ آذار، لننتخب رئيس حر سيد مستقل، كفى تنازلات دنكيشوتية على طريقة معالي وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي رقى مليشيا المقاومة الى مقام أجهزة امن الدولة، لبناننا هو لبنان محبي الحياة، لبناننا سيد حر مستقل، لهم رؤيتهم ولنا رؤيتنا لندافع عنها دون خوف، ودون تنازلات.