دمعة وأرز و….وطن – مشلين بطرس

أصل إلى منزلي منهكة، أخلع أعباء عمل أثقلني، يقطع رنين الهاتف حبال الصور والكلمات التي علقت في ذاكرتي عندما مررت بأماكن نسيتْ أصحابها، وتغيرت معالمها بوجود ساكينها الجدد، جاء صوت ناديا عبر الهاتف تخبرني عن افتتاح معرض للرسم.

تكلم الرصاص وحفرت ضجة دويه ثقوباً تركت نيرانها مشتعلة على جدار تصطف طوبه معمرة أبنية بيروت




سألتُ جداراً تتكئ على حزنه شرفة متصدعة، تتنهد ويلاتاً هزتْ شموخ كيانها:

-آلا تؤلمك تلك الثقوب التي لا يسبر أغوارها سوى العنف؟

-إنها عيوني التي لاتنام، تروي قصة حرب حفرت في أحشائي وحشية عدو لا يعرف معنى الإنسانية.

مصباح المنزل يُكسر زجاجه، ظلام يقبع في الزوايا، وينشر خوفاً يتسلل بين طياته رعب يسيطر على القلوب الراجفة اضطراباً، زئير وحش مسلح يتخلل الأبواب آمراً أهل المنزل بفتح الباب وإلا…

فتات الخبز التي فرشت أرض الدار تتداول بهمس ينتقل من منزل إلى آخر مداهمة مقنعين انقضّوا على عدد من منازل القرية، وسرقوا أموالاً من بعضها.

يدٌ جريئة اقتربت من القناع وكشفت عن صاحبه الذي كان واحداً من أبناء القرية هو عينه الذي رمى بهوية جدي يسخر من ابنه الذي قُتل برصاص العدو قائلاً بحقد:

الله لايرجعه، ليعود السهم غارزاً مخالبه في قلب الأم الحزين، ينفطر ألماً على فقدان ابنها تحت تضحية قاتلة رايتها حب الوطن.

تخرج ناديا من المعرض بدموع تأبى الإنحسار، ألحقُ بها على عجلة

-لاتهتمي ياصديقتي الغالية فمريم وأختها لا تستحقان صدق دموعك ومشاعرك، أربتُ على كتف صديقتي وأضمها دون أن تفصح دموعي عن ملوحتها.

-آه لوتعلمين كم كنت أحبهما، كنت أشعر بأنهما شقيقتاي اللتان لم تلدهما والدتي، هاقد مرتا بي دون أن تلقيا السلام، فهل ذاب ملح صداقتنا في بحر هذه الحياة؟؟ وتبكي ناديا بمرارة.

-أخبرها أن الحياة جرعة العدم الكبرى التي تأخذنا من أرحام أمهاتنا، فهي قناع سخرية يرتديه الموت ليسخر منا…

نعود إلى المعرض وقد هدأت دموع ناديا، لنجد أرزة لبنان تسند خدّها الذابل براحة يدها، وقد أسرت شموخها حيرةٌ من حب أبنائها الذي تتماوج فيه الألوان وتتصارع إلى اللانهاية قائلة:

-هاقد تعفّنت جذوري، وأصبحت عرضة للاقتلاع في قبضة أيّ ريح عاتية قد تهب.

يضحك الكرسي المصنوع من أخشابها ساخراً:

-لقد سلبتُ بريق خضرتك، وأصبحتُ إكسير الحياة، تتعلق بأذيالي عيون أبنائك، وتتشدق بشهدي أفواه شعبك، فأين أنت مني أيتها الأرزة البائسة؟؟

-أنا ارزة رماني الدهر بالأرزاء حتى     فؤادي في غشاء من نبال

فصرت إذا أصابتني سهام       تكسرت النصال على النصال

تتنهد الشجرة بدموع تحملها أوراقها الخضراء عند نهاية أغنية لفيروز( بحبك يالبنان ….ياوطني) أسحب الشريط من فم المسجلة ليعلو نداء جارتي

-ناديا…..ياناديا القهوة جاهزة فتعالي أقرأ طالعك بالفنجان….

كاتبة وناقدة ادبية  سورية