الإستحقاق الرئاسي وشيطان التفاصيل

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

هل دخل لبنان مرحلة ترقب الفراغ، سؤال بات يتردد تلقائياً في الآونة الأخيرة ويكاد الكل يُجمِع على إمكانية سقوط المرحلة المقبلة في شر المحظور، ورغم منسوب التفاؤل العالي لدى بعض الذين يؤكدون أن الإستحقاق الرئاسي سيجري في موعده المحدد، تبقى الخيارات مرهونة بالظروف المحيطة ومدى ارتباط الفرقاء اللبنـانيين بما يحصل خارج الحدود، دون أن ننسى طبعاً أطراف النزاع وأصحاب الولاءات الخارجية، الذين يسعون الى إرسـاء قواعد اللعبة على ما تمليه أوامر مهامهم وارتباطاتهم، إنما المشكلة لا تنتهي هنا، فالغطـاء المسيحي للفراغ، لازال فـي مقدمة أولويات أدوات المُمانعة وحساباتهم اذا ما انعدمت حظوظهم في الوصول الى بعبدا، أي بعبدا في انتظار اللبنـانيين، وأي لبنـان؟




المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من أجندة وأكثر من حساب في انتظار اللحظات الحاسمة، وهناك أكثر من رقم صعب يُمكن أن يفرض ما يقلب كافة المعادلات المتوقعة رأساً على عقب، بدءاً من الصراع القائم على مسار التفلّت من الوصـايات المُستجدة الذي تخوضه القوى السيـادية رغم الإنشقاقات الحاصلة فـي صفوفهـا، مروراً بالأزمة الوجودية التي يُعانيها فريق التضـامن مـع البعث، وصولاً الـى المشهد الأسـاسي الأدق والأخطر، والذي يُظَهّر ملامح مصير البلاد، سلسلة أزمات مُتلاحِقة على وقع طبول السبـاق الرئـاسي وتسـارع خطوات تحويله الى سباق نحو الفراغ، وما بين الفراغ ورئيس مُمانع ربما لا تتشابه النتائج فـي الشكل، إنما وبالتأكيد تحمل نفس المضمون وبكافة مُستحقاته وتداعيـاته.

الإستحقاق الرئاسي ما بين المُواصفات والمعايير.. والشيطان.

الشيطان يكمن فـي التفاصيل، حكمة عادية قد تمر مرور الكرام فـي الحديث عن مساومة او تسوية ما، إنما أن تكون الشياطين طرفاً أساسياً فـي تفصيل استحقـاق أساسي كانتخابـات الرئــاسة الأولى وتفاصيلهـا، ففـي هذا فتح لأبواب الجحيم علـى الإستحقاق والرئاسة معاً، وعلـى آخر مـا تبقى مـن معالم الجمهورية، فـي المشهد ما يُشبِه المؤامرة، فكما بعض الذين يدعون الى لبننة الإستحقاق مروراً بقصر المهاجرين او مـن طهران، هناك مَـن يدعو الـى لبننته مـن لبنــان وفي رؤيته منظومة ألف شيطـان وشيطـان، يستجدون المعايير ما بين سفارات وعواصم القرار المُمانع استكمالاً لمواصفـات مُباركة، دون أدنى شك الشيطـان فـي لبنان يتحكّم بالتفاصيل، إنما وبالتأكيد هناك مَـن يُفاصل الشيطـان ويتحكّم به.

المشكلة فـي الرهائن، رهائن الشيطان الذين ينتخبون رئيس الجمهورية، رهائن التبعية الشركاء، ورهائن الهواجس الذين يدعمون سياسته ويُشكّلون بما يرتكبون بيئته الحـاضنة وإن عـن غير قصد، هؤلاء ليسوا سوى ”شوكة“ فـي خـاصرة الدولة التي يريدون استمرار ضعفهـا استمراراً لوجودهم، ومـن الطبيعي أن يتحينوا فرصة الإنقضـاض عليهـا لحظة تحـاول استجماع ما تيسر مـن قواها، وأي رئيس بمواصفـات سيـادية يُشكّل العـائق الأول والأقوى فـي مواجهة مخططـات محورهم، كيف يُمكن إقناع الشعب اللبنــاني، وليس المقصود بالشعب ”شلعـات“ قطعان التفاهم، ولا مَـن يتجنبون اتهام المواقع الدينية بارتكاب الأخطاء، أن رئيساً مُمانعاً لا يتساوى بالنسبة لسيادة البلاد مع خطر الفراغ إن لم يكن أخطر.

ما بين بكركي والطريق الى بعبدا.. سعي لمساحة وصاية.

يحاول البطريرك الراعي جاهداً إنكـار أي نهج وصاية فـي ما يتعلق بالإستحقـاق الرئاسي، فهو لا يُسَمّي، ولا يُحَدّد مواصفات تُشبِه أي إسم، ولا يُقارب ما بين مرشح وآخر، إنما لا يُمكن أن يترسّخ فـي ذهن مَن يُتابعه، ومن خلال الإشارات التي يُطلقها وفي اتجاهات مُحددة، سوى رغبة شديدة في إيصال مرشح يحظى بدعمه المطلق، وما حديثه الأخير عـن استطلاع الرأي العام عند استنفاذ المهل الدستورية، سوى إشارة واضحة الـى تبني بكركي لمرشح ما فـي كواليسهـا، تخشى الإعلان عنه حتى لا تُتّهم بالإنحياز الـى فريق مُعيّن، وتسعى مـن خلاله الـى التنصّل مـن خيارها وتحميل وزره للشعب لحظة التداعيات، بكركي براعيها تدعم وبقوة وصول جنرال تحالف الأقليات الـى سدّة الرئاسة، مهما أنكرت وحاولت أن تصور نفسها علـى مسافة واحدة من كـافة الأفرقـاء والمرشحين، فهل ينوي غبطته المتوجس مـن المد التكفيري تطويب بشّار الأسد قديس الديموقراطية المشرقية، ومعه ميشال عون شفيعـاً لمسيحيي الشرق؟ مـا بين بكركي والطريق الى بعبدا.. مساحة وصاية تنتهي صلاحيتها لحظة الإستسلام.

لاشك أن تراكم المواقف الملتبسة منذ لقـاء الرئيس الفرنسي والحديث المبهم عـن الربيع العربي، مروراً بديموقراطية النظـام السوري وسلاح حزب الله وصولاً الى الإستحقاق الرئاسي، قد خلق مسافات شاسعة من انعدام الثقة ما بين بكركي وناسها، ولم تفلح الوثيقة رغم طابعها السيـادي في طمأنة شارع اعتاد أن يستمد شجاعته من صرح السيـادة، على عكس حالة الزخم التي عكستها مواقف الرئيس ميشال سليمان فـي المرحلة الأخيرة مـن ولايته، والتي باتت أشبه بخارطة طريق و معيار لمواصفـات الرئيس العتيد، ويبدو أن خيارات بكركي فـي ما يتعلق بالإنتخابات الرئـاسية غير موفقة، لا في المعايير ولا في المواصفات، ولا حتى في محاولة بسيطة لاستعادة ما فقدت وإن انتهت الى فشل.. غريب أمرها.

لا أعلم لما لا يُدهشني تمسّك بكركي بالفشل فـي استعادة ثقة الناس وطمأنتهم، هذه الناس لا تريد رئيساً شريكاً فـي اغتيال البلد، مهمته الأساسية شرعنة السلاح الغير شرعي، هذه الناس لا تريد رئيساً شريكاً فـي اغتيال أبناء البلد من ضمن أولوياته شرعنة السواطير فـي الجامعات، فهل هذا ما تسعى إليه بكركي ويندرج على لائحة أولوياتها؟!! ومَن يضغط على أنفاسها بأجندة أولويتها ميشال عون رئيساً؟؟

بوادر التفاف بكركي على الإستحقاق الرئاسي بدت واضحة جلية في لقاء التشاور مع الأقطاب الموارنة، فلو صفت النوايا وصدق أصحابها لما جمعهم غبطته فـي غياب سمير جعجع، مهمـا كانت أسباب الغيـاب.. ومهما كانت مبررات الإجتمـاع عظيمة.