اوكرانيا: مآلات الحراك – عبد الغني محمد المصري

الحراك الاوكراني لم ينته، بل قد يكون لم يبدأ بعد. فليس من السهولة ان تتخلى روسيا عن اوكرانيا، وليس ممكنا ان تتخلص اوكرانيا من القيد الروسي بهذه السرعة. فما هي العوامل التي تعقد، وتصعّب عملية الانفكاك؟، وما هي المسارات المتاحة للحراك؟.

عوامل التشابك والتعقيد:




———————-

— يشكل الروس والاقليات حوالي ربع سكان اوكرانيا، ويتركزون في مناطق معينة منها. حيث يشكل الروس وحدهم اكثر من 18% من عدد السكان. اي حوالي 12 مليون روسي.

— 80% من الغاز الروسي يمر عبر الاراضي الاوكرانية الى غرب اوروبا.

— اوكرانيا تطل على البحر الاسود، وهناك اتفاقية تأجير لروسيا، حيث تضم مدينة سيفاستوبول اسطول البحر الاسود الروسي.

— كثير من مراكز ابحاث الفضاء السوفياتية السابقة موجودة على الاوكرانية، وهي تعمل بكل كفاءتها.

— تنتج اوكرانيا مركبات فضائية، وكذلك هناك مصانع طائرات انتونوف العسكرية، اقامها الاتحاد السوفياتي في الاراضي الاوكرانية.

— الغالبية العظمى من سكان اوكرانيا تدين بالمسيحية الارثوذكسية، علما ان منهم حوالي 30% يتبعون بطريركية موسكو، و40% يتبعون بطريركية كييف، والكاثوليك اليونانية تشكل حوالي 15%. أي إن هناك ولاء كنسيا كبيرا ولاؤه لروسيا.

— تستخدم اللغة الروسية على نطاق واسع في اوكرانيا، نظرا لتوغل الروس في الوظائف المؤثرة من العهود السابقة، وكذلك لارتباط اوكرانيا الوثيق مع روسيا نتيجة الجوار والاتحاد السوفياتي السابق.

–هناك دولة عميقة لها ارتباطات، ومصالح حيوية، واستراتيجية متجذرة مع روسيا.

— تمتلك اوكرانيا ثاني اكبر جيش في اوروبا بعد روسيا.

— لا تنفق اوكرانيا سوى 5% من انتاجها على البحث العلمي.

مما سبق يتضح انه لا يمكن لروسيا بأي حال ان تتخلى عن اوكرانيا، كما لا يمكن لطبقة واسعة جدا من المستفيدين ان تتخلى عن امتيازاتها، ومكتسباتها، من اجل ضغط غربي او غيره. مما ينبئ ان هناك جمرا تحت الرماد، قد يحدث المآلات الاتية:

— إذا ارادت موسكو، ألا تحدث ضجيجا على احد ابوابها، فقد تعمل على قيام نوع من الكونفدرالية بين الشرق ذو الولاء الروسي، والغرب ذو الولاء الغربي. وبما ان الدولة العميقة الروسية موجودة، فيمكنها عبر الكونفدرالية ان تنفذ ما تريد في الجانب الشرقي، وان تؤثر كثيرا في سياسات الجانب الغربي، وقد تتحكم بسياساته ايضا مع قليل من النفس الدبلوماسي.

— قد تطلب موسكو، ان يكون لمؤيديها تاثيرا مباشرا في القرارات الاستراتيجية في اوكرانيا، وذلك مما يتطلب من المعارضة ان تحوز ربع انتصار، مقابل تحوّل تدريجي بطيء وطويل نحو ما يضمره كل طرف للآخر.

— إن لم يحدث التوافق على مناصفة في الحكم، او كونفدرالية، فقد تتجه موسكو نحو الخيار الاعنف هو اعلان الانقسام في الجانب الشرقي عن الجانب الغربي، حيث يمكن لموسكو ان تشكل مليشيات روسية تتبع المافيا، تنشر الرعب، وتفشل شكل الدولة القادم في اوكرانيا، ويضمن لها في نفس الوقت تأمين خطوط امدادها للغاز، وهدوء جبهتها الشرقية، حيث ان الغرب ومشاكله الاقتصادية لن يجعله ينخرط بشكل حقيقي في الصراع، إن رأى تصميما عنيدا من موسكو على خياراتها الاستراتيجية والتي تؤثر مباشرة في توجهاتها كقوة عالمية مؤثرة، نظرا لضغطها على عصب اقتصادي، وبشري (12 مليون روسي) سيؤلم موسكو كثيرا.

— إن راهنت المعارضة على الوعود فقط، واتخذت قرارات حاسمة بالتصعيد، وعدم الانحياز الى الشراكة، فذلك قد يعني دخول اوكرانيا نفقا دمويا طويلا، حيث لن تبخل موسكو في دعم المافيا الروسيةـ في مقابل لن يدعم الغرب كثيرا، بشكل يؤدي الى الحسم الثوري، لأن ذلك يعني دخوله في مواجهة مباشرة مع موسكو، ومصالحها في بيتها الخلفي.

مما سبق يتضح، انه رغم ارادة التحرر الموجودة لدى الاوكرانيين، فإن الغرب، ولظروفه الاقتصادية الصعبة في اكثر من بلد اوروبي، لن يستخدم الاوكرانيين اكثر من ورقة لتحصيل مكاسب معينة من موسكو، او للحد من توجهاتها للعودة كقطب عالمي مؤثر، وذلك يضع على الثورة الاوكرانية مسؤولية تحصيل نقاط، وليس تحصيل كل شيء، كي لا تفقد كل شيء.