الوطن اليتيم! – عمر الفاروق النخال

لحظة دوي الانفجارين الإرهابيين الذين استهدفا مبنى المستشارية الثقافية الإيرانية في بئر حسن، كل اللبنانيين كانوا معنيين بحالة الموت المجنونة التي تغزو الوطن من أقصاه الى أقصاه، لكن القلوب والحواس كانت معنية بصورة أعمق عبّرت وحدها عن واقع وطن لو أمكن تجسيده لما وجد مكانا أفضل من دار الأيتام ملجأً يأويه وأطفال أخرجهم جنون الوطن عن سكينتهم وبراءتهم وصفائهم مذعورين مستائين، ليعلنوا بدموعهم الغالية وصرخاتهم الصادقة عثورهم بين أسرّة الدار وجدرانها وملاعبها على وطن يتيم!

لم تتجسد صورة الوطن اليتيم في عيون هؤلاء الأطفال فحسب، وإنّما تجسدت صور غرابة هذا الوطن مشلول المشاعر الذي لا تكفيه عشرات بل مئات الصور القاتمة ومئات المشاهد المفخخة لينتفض بكلمة أو شعار يعبّر عن ما في قلوب الناس من سخط وغضب على ما وصلت إليه أحوال وطن لا مكان في شوارعه إلا لمركبات القتل والأذية وإلا لمواكب التشييع والوداع التي تسرق في كل يوم صور الحياة الباقية لوطن يفنى على سرير الاحتضار!




ما يميز انفجار بئر حسن الأخير، أنه الانفجار المفصل الذي أرسل ولأول مرة صورة معنوية عن إنسانية تضيع في لبنان، عن طفولة تستفيق مذعورة وتنام على أحلام مذعورة، عن أهوال وأحزان رتّبها يتم الوطن من أهله وأشقائه وناسه وعقلائه، حيث تغيب مع كل جريمة الصور التي تبعث على الأمل والحياة ولا يبقى إلا هذا الوطن اليتيم المتنقل من رصيف موت الى آخر، ينتظر من أرتال الموت القادمة شظية الرحمة !

كلمات كثيرة قالتها صور أطفال دار الأيتام الإسلامية المذعورين، كلمات وفّرت على كل منّا سذاجة التعبير وعبث خلط الإنسانية بالدم والبارود والسياسية والموقف الأبله، ووفرت على أهل السياسة والمسؤولية في بلدنا تنكيس زينة الاحتفالات المصطنعة بولادة الحكومة العجائبية والاعتراف بعدم القدرة حتى على مسح دمعة منهمرة على وجنة الوطن اليتيم!

كان يمكن للصورة أن تكون أفضل بقليل، كان يمكن لهؤلاء الأطفال المذعورين أن يكونوا في احتفال حقيقي يحتفي بولادة جديدة لوطن ينفض غبار التفجير ويحيا من جديد، غير أن المشهد هذه المرة جاء على صورة الكناية الأدبية المؤلمة والموجعة مؤداها وطن يتيم بالكامل!!