النقطة على السطر والتعايش المستحيل

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

لابد أن الأمور قد وصلت الى خواتيمها، فأي أزمة عاصفة، لابل أي عاصفة أزمات تضرب حزب الله في سوريا، حتى يُضطَر الى اتخاذ قرار الحرب الداخلية، ويبنيها بما فيها على خلفية إعلان طرابلس ولقاء قوى 14آذار التضامني مع المدينة وأهلها، لابد أنها مرحلة عدم الإستعداد لأي تراجع عن أيٍ من خيارات الدفاع عن هالة النظام السوري، مرحلة الحياة او الموت التي بدت جليَة واضحة في كلام السيّد نصرالله، ودون أدنى شك، ستنعكس خطيرة جداً على الساحة اللبنانية، طهران حسمت خياراتها وإن أسقطت من حساباتها رأس الأسد.. يبدو أنها لن تتخلى عن الإحتفاظ بورقة سوريا مهما كان ردّ الفعل الإقليمي والدُوَلي، ومهما ارتفع حجم فعل التضحية بشيعة لبنان.




لا يُمكن الإستخفاف أبداً بما أتى على لسان سيّد حزب الله في إطلالته الأخيرة، ولا وقت للتكهُّن إن كان مجرّد تهويل يسعى من خلاله الى وضع الجميع في خانة وليد جنبلاط، ام بالونات اختبار تُظَهّر ردود الفعل وأحجامها بما يتناسب مع مُتَغَيّرات المرحلة، فعلى ما يبدو أن السيّد وحزبه، كما ”طهرانهم“ باتوا شركاء خيار الحسم والحرب على الفريق الآخر دون أي تردّد ولا لبس، الرجل رفع الأقنعة ولم يُسقِطها، قال كل ما أراد قوله، او الأصَح، قال كل ما أرادوا منه قوله وأعلن عن النوايا والمشروع كاملاً، ما غطّته التراضيات سابقاً، لم يعد في معرض النقاش وإن مَرّر ”مَزحَة“ في ترك مكان للحوار في مكان ما، وبين ما خَفيَ وما أنكره السيّد عن التعبئة العامة، لاشك أن هناك ما يستحق أن تتوقف عنده دولة مخصية، لا تُعلِن انتصاراتها المُبينة إلا ما بين عرسال وطرابلس وصيدا.. وقمع مُتَذّوِقي السوشي في سجن رومية.

كلام لافت، نبرة متوتّرة ولهجة تصعيدية تناولت الجميع بمَن فيهم رئيس البلاد، ليست المرة الأولى ولا هي غير مسبوقة، إنما لاشك أنها الأخطر في ما مرّ من مراحل وما سبقها، أن يحتدم الرجل الى هذه الدرجة، ويستشيط ردّاً على اتهامات كان في ما مضى يتخطّاها بروباغندا قوة، ليس أمراً عابراً ولا يُمكن تجاوزه بنفس منطق التمييع والمُراضاة الذي لطالما استخدمته الدولة العاجزة ولازالت، ليس هناك ما يُريب أبداً في ”المُعادلة“ التي وصّفها السيّد أنها الوحيدة والنهائية، أوضحها بشكل قاطع وإن جرّب تلطيف بعض لهجتها، إن كان في ما يتعلّق بفريق 14آذار، ام بأي فريق في السلطة يجرؤ على مجاراتهم في طروحاتهم، لا مكان لمَن يُخالف محورنا رأيه وتطلعاته، مَن معنا معنا، ومَن يختلف معنا عدو، مسألة لم يعد فيها نقاش ووشم التكفير بات سيّد التهم ولا يستثني أحداً، نصرالله رسم حدود لبنان بحرية المُنتَصِر قطعاً.

قد يكون السيّد مُخطئا في حساباته، جيّد، إنما المسألة لا تحتمل التأويل، كما أنها لا تحتمل التعاطي معها وفق معايير السلطة الخاضعة، ولا وفق أسلوب المساومات والتنازلات الذي أوصل حال البلاد الى ما هي عليه في المرحلة الراهنة، وإن كانت سوريا معركة وجود بالنسبة الى جميع الأفرقاء، فلاشك أن مرحلة انتظار ما سوف يُنتِجَه الصراع فيها توازي مرحلة النتائج خطراً، وتفتح باب الأزمات واسعاً على تطوّرات يومية، لا يُمكن ولا بأي شكل من الأشكال لما تبقى في لبنان من دولة وشعب احتمال وقع تردياتها، قد يكون مُخطئاً، جيّد، إنما الرهان على أي خطأ في مرحلة كهذه يُعتَبَر انتحارا، فكيف اذا كان هذا الرهان على أخطاء في النوايا العدوانية المُبَيّتة والمشاريع التآمرية.

لا مكان للصبيان في المرحلة المقبلة، فكلام نصرالله إعلان حرب بامتياز وإن حاول الإيحاء أنه يلتزم الدفاع عن النفس في مواجهة ”أخصام السياسة“، وأن اختصاص سلاحه المُقاوِم مواجهة إسرائيل، السيّد لم يُوَفّر أحداً في استعراض قدرته على التهديد، رسائل في كافة الإتجاهات طالت الجميع إن كان في الداخل ام في الخارج، ما ترك فرصة إلا واستغلها ليُثبت مدى جدّية هجومه، وفاعلية مُشاركة حزبه في حرب النظام الذي بات على قاب قوسين من الإنتصار على شعبه، طبعاً على ذمّة السيّد وذمّة تخاذل العرب والمُجتمع الدولي، لا مكان للصبيان، فبوادر الحسم ليست نزهة روّاد فنادق ولا أصحاب خُطَب تنظير وادعاء رجولة.. لا مكان للتراضي بعد اليوم، لا في السياسة ولا في الإستقرار ولا في أمن الناس، المرحلة المقبلة مرحلة غالب ومغلوب، حقيقة قد تكون بشعة، إنما لابد من الإعتراف بأنها الحقيقة مهما حاولنا تجميلها.

أزعجه التصعيد في لهجة 14آذار فهدّد الجميع.. وطناً وشعباً ومؤسسات، وبالتأكيد المؤسسات القليلة التي لازالت مُتَفَلّتة من هيمنة حزبه.

لا رئيس للبنان ولا حكومة إلا برضانا ووفق معادلتنا المجيدة، لا سلطة إلا وفق أمر مُهمة يصدر عنّا.. قالها صراحة وجهاراً ثم ترفّع عن الصغائر.

بصراحة، لا يُلام السيّد اذا ما ضايقته اتهامات 14آذار بالتكفير والقتل والتفجير، ردّ فعل عادي قد يرتكبه أي مذنب وليس في الأمر مغالاة إن هو دافع عن نفسه بارتكاب ما هو أفظع، ولِما تكون مبالغة إن هو هدّد وتوعّد وكال الإتهامات يمنة ويسرة.

اما بالنسبة الى المشهد التكفيري العابر للحدود، والذي بات يطال المؤسسة العسكرية تحديداً، فهو لا يصب سوى في مصلحة حزب الله، ولا يُمكن السكوت عمّا يُبَدّل في تفاصيل خارطته.. تبرير ضروري ومطلوب، ولا تُحاسبني عمَا كان في سالف العصر والأوان.

ما يؤلم فعلاً هو ما ارتضته المؤسسات الشرعية لنفسها، وشهادة زور سلاحها الشرعي خوفاً من شريك غير شرعي صادر هيبته. ما يؤلم فعلاً هو توأمة الذل والكرامة، العدل والظلم، الحق والباطل، التبعية والحرية. ما يؤلم فعلاً، أن مَن يختصر الحياة في وطنك بفوهة بندقية يُحاضر لك في التعايش.. هزلت.