الإدارةُ المدنيةُ الكُردية: مشروعُ حكمٍ ذاتي، أم مقدمةُ انفصال؟!! – مسعود عكو*

لسنةٍ ونصفٍ خلت، أفرغت الحكومة السورية مقارها الرسمية في المناطق الكُردية، واستلمتها وحدات الحماية الشعبية الكُردية YPG والشرطة الكُردية المعروفة بالآسايش، في حين بقيت مديرية منطقة القامشلي والمحافظة في الحسكة تحت سيطرة الحكومة، وكذلك الأفرع والأجهزة الأمنية. الحكومة قررت ترك إدارة البلديات والخدمات والأمور المتعلقة بالحياة اليومية للمواطنين، في حين أبقت على سلطتها العسكرية والأمنية، ومع أن هذه الأجهزة الأمنية لم تتعرض للمواطنين، إلا أن الوحدات العسكرية في مطار القامشلي، وقرية طرطب ظلت تقصف قرى ريف القامشلي الجنوبي، بذريعة وجود كتائب من الجيش السوري الحر وكتائب إسلامية.

قُبيل منتصف نوفمبر الجاري، أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي PYD عن مشروع “الإدارة المدنية الانتقالية لمناطق غرب كُردستان-سورية”، وقد شاركه المباحثات والمحادثات 34 تياراً سياسياً وثقافياً واجتماعياً كُردياً وعربياً وآشورياً وآخرين، كما أُعلن في بيانه الرسمي، وألحق الحزب بياناً آخراً طالب فيه الأطراف المشاركة بسلسلة من الخطوات العملية أهمها تشكيل هيئة لمتابعة إنجاز مشروع الإدارة المرحلية الانتقالية المشتركة، مكونة من ستين عضواً، حيث أنها  ستُكلف بتشكيل لجانٍ متخصصة من مختلف المكونات العرقية الموجودة في المناطق الثلاث (الجزيرة – عفرين – كوباني) لإعداد “صياغة مشروع الإدارة المرحلية المشتركة وإعداد وثيقة العقد الاجتماعي والنظام الانتخابي”.




قوبل هذا الإعلان بالهجوم من قبل شخصيات وهيئات المعارضة السورية، حيث كانوا ضد هذه الإدارة. حتى وصل الأمر بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية على اعتبار حزب الاتحاد الديمقراطي PYD تنظيماً معادياً للثورة السورية واعتبار مشروعه “تحركاً انفصالياً” مما أدى إلى نشوب حربٍ إعلامية بين الطرفين، وأطراف أخرى مؤيدة ومعارضة للمشروع.
ويرى الكثيرون أن الإدارة المدنية المقترحة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، هي حقٌ مشروع وقانوني للشعب الكُردي في سورية، ويبرر أصحاب هذا الرأي تأييدهم بأن المناطق الكُردية من سورية أو “كُردستان سورية” عانت كثيراً من الحرمان والتهميش والإقصاء والسياسات الشوفينية من الحكومات السورية المتعاقبة لنصف قرن، وحان الوقت كي يدير كُردُ سورية مناطقهم بأنفسهم، ويتحكموا بالثروات الموجودة فيها.

حيث يتوزع أكثر من 60% من النفط السوري في حقول السويدية والرميلان وقره جوخ، وكذلك الغاز الطبيعي في حقل الجبسة جنوب الحسكة. كما أن المساحات الزراعية الشاسعة تُعتبر سلة الغذاء لسورية باعتبار أنها منتجة للقمح والشعير والقطن والذرة والزيتون، و يعبرها نهري الفرات ودجلة. إذن عملياً المنطقة عائمة على ثروات طبيعية كبيرة، لو تم توزيعها بشكل عادل، فإن ازدهار المنطقة الكُردية لن يأخذ إلا عشرة أعوام.
إلا أن أصحاب هذا الرأي في ذات الوقت، يرون أن استفراد حزب الاتحاد الديمقراطي بإعلان هذا المشروع، يُشعرهم بمحاولة الحزب خلق “بَعثٍ كُرديٍ” بمحاولته إقصاء وتهميش الأطراف والأحزاب الكُردية الأخرى، ويرون بأن الأطراف السياسية وغيرها التي شاركت حزب الاتحاد الديمقراطي في تبني المشروع ليست إلا إعادة لتجربة “الجبهة الوطنية التقدمية” ولكن هذه المرة بقيادة الاتحاد الديمقراطي وليس بقيادة حزب البعث. فكان من الواجب أن يناقش هذا الحزب المشروع مع بقية الأحزاب الكُردية وخاصةً المجلس الوطني الكُردي “تحالف كُردي يضم 11 حزباً كُردياً سورياً انضم مؤخراً إلى الائتلاف الوطني السوري” الرافض لمشروع الإدارة المدنية والذي نال رفضاً أيضاً من قيادة إقليم كُردستان العراق، ذات الثقل الهام في الملف الكُردي السوري.

لكن استراتيجياً، تكاد الرؤى الكُردية أن تتقارب حول تحديد جغرافية “كُردستان سورية” الأمر الذي أصبح واقعاً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً، ومصطلحاً إعلامياً يتردد ويتكرر. حيث رسمت وحدات الحماية الشعبية الكُردية حدود هذا “الإقليم” إن صح التعبير، وهو ما وّلّد ارتياحاً مبطناً لدى كافة الأطراف الكُردية، الأمر الذي جعل المعارضة السورية أمام أمرٍ واقعٍ، وهو وجود “كُردستان سورية” كجغرافية سياسية، محمية بوجود القوات العسكرية، والآسايش الكُردية.

و يسعى الاتحاد الديمقراطي إلى خلق نوع من الحكم الذاتي للمناطق الكُردية في سورية، ولكن تحت إمرته، وقد قام بتهيئة الأرضية العسكرية والإدارية لذلك، فقد قام بتشكيل مجالس محلية تدير المدن والبلدات الكُردية، وشرع إلى تأسيس جهاز شرطة وجيش ومؤسسات قضائية، وعلى الرغم من أنها ليست بالخبرة والمهنية المطلوبة، إلا أنها نواة لإدارة محلية وحكم ذاتي، قادر -إن سنحت له الظروف- على الاستمرار والتقدم والقضاء على عيوبه. وكون المنطقة تحت سيطرتهم العسكرية، فذلك لن يمكّن حكومة الائتلاف الوطني التي تشكلت قبل إعلان الإدارة المدنية الكُردية بيوم واحد، من العمل على أراضي “كُردستان سورية” بدون موافقة حزب الاتحاد الديمقراطي. إذن الحزب لديه سلطة وأصبحت إدارته أمراً واقعاً.

لذا القلق والتخوفات الموجودة لدى المعارضة “العربية” من مشروع الإدارة المدنية باعتبارها خطوة كُردية نحو “الانفصال” لأمرٌ مشروعٌ وخوفٌ مبرر. إلا أنه قطعاً لا يستوجب استعداء طرف كُردي مهم مثل حزب الاتحاد الديمقراطي ومؤسساته العسكرية والمدنية، وإن أي مشروعٍ لحكومةٍ انتقاليةٍ للمعارضة السورية من دون مشاركة هذا الحزب، سيكون فاشلاً أقله في “كُردستان سورية”. لذا الحل الوحيد هو المزيد من المباحثات بين جميع أطراف المعارضة السورية، والخروج بمشروعٍ وطني حقيقي، يعطي الكُردي كامل حقوقه المشروعة كشعب يعيش على أرضه التاريخية، وأيضاً تقديم ضمانات بعدم الانفصال عن سورية. مع أن حلم الدولة الكُردية المستقلة يراود الكُرد ليلاً نهاراً، والكيان المستقل حق أساسي من حقوق الشعوب وهي وحدها تقرر مصيرها.

*مسعود عكو كاتب وصحفي كردي سوري مقيم في النرويج