//Put this in the section

هكذا أسّس بشار الأسد “جبهة النصرة” و”فتح الإسلام” من سجونه

هو سجن صيدنايا… الذي يمثّل الوجه الحقيقي للديكتاتورية في سوريا… داخل أقبيته المظلمة يفقد نزلاؤه حقوقهم الإنسانية. لا بل يتحوّل السجناء في زنازينه المرعبة إلى حقل تجارب، يبتكر سجّانوهم فنون التعذيب والإهانة والإذلال… لا بل إنّ النظام الفاشي حوّلهم إلى فئران مختبرات.

طبعاً هذا السجن ليس الوحيد الذي يتمتّع بخصوصيّة الظلم والقهر والتعذيب حتى الموت في كثير من الحالات.. لا بل انّ باقي السجون والمعتقلات لا تقل عنه قسوة وبربرية، لا سيما معتقلات الاستخبارات الجوية، لكن الصورة المرعبة لسجن صيدنايا التي نقلتها مجلة “لو نوفيل أوبسيرفاتور” الفرنسية، تفيد بأنّ هذا السجن كانت له خصائصه المميّزة… فيه كان بشار الأسد يزجّ أعداءه السياسيين من استقلاليين أكراد ومسيحيين لبنانيين وإسلاميين، أو جنود عراقيين، واللافت في الأمر أنّ النظام الديكتاتوري استطاع بعد سنوات من سجن الإسلاميين وخصوصاً عناصر “القاعدة” أن يروّضهم ويدرّبهم على “العقيدة الجهادية” التي تتلاءم وأجندته السياسية والأمنية في المنطقة، ويرسل المئات منهم إلى العراق لمحاربة القوّات الأميركية، بعد سقوط نظام صدام حسين، ويوجّه البعض الآخر إلى البلدان المجاورة ومنها لبنان لإثارة الفتن، ونشر الفوضى وضرب الأمن الوطني لهذه الدول.




الغريب في الأمر أنّ هؤلاء “الجهاديين” الذين يمضون أشهراً طويلة في محاربة “الكفّار الأميركيين” في العراق، أو ينفّذون المهمات الأمنية الموكلة إليهم في دول الجوار، ما إن يعودوا إلى سوريا، حتى تتلقفهم المخابرات السورية وتعيدهم إلى السجن وإلى حفلات التعذيب من جديد. وإذا أرادوا الخروج مجدّداً أمامهم شرط واحد أن يلتحقوا بجماعة “فتح الإسلام” في لبنان، كعقاب لهذا البلد على طرد الجيش السوري من أراضيه، أو تأسيس ما يسمّى “جبهة النصرة” التي أنشأها بعضهم بعد شهور من خروجهم من سجن النظام.

لا ترى المجلة الفرنسية من داعٍ للحديث عن الزنازين الإفرادية التي تشبه القبور، يمكث فيها الموقوفون لثمانية أشهر، يتعرّضون لشتّى أنواع التعذيب، يعانون الجوع الدائم، يكتسبون شتّى أنواع الأمراض، يحرمهم السجّانون من الغطاء في عزّ أيام البرد وتحت سقف سجن تكسوه الثلوج، العشرات يموتون بنوبات قلبية بفعل الصدمات الكهربائية. حكايات يرويها سجناء مُفرج عنهم عن الموت بالمفرّق، أمّا المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد في سجن صيدنايا فحدّث ولا حرج.

وفي ما يلي النص الحرفي لمقال “لونوفيل أوبسيرفاتور” لكاتبه كريستوف بولتانسكي:

“ما أن يسمعوا قرقعة المفتاح، عليهم أن يستديروا، واقفين، وجوههم الى الحائط، رافعين أيديهم، وخصوصاً من دون تحريك الرأس. وإذا التقت عيونهم عيني الحارس، فقد يتعرضون لحفلة مرتبة من الضرب. غذاؤهم يحضر في طنجرة كبيرة، تفرّغ على أكياس نايلون، وأحياناً على الأرض المليئة بالشحم والقذارة. شيء من البرغل ممزوج بصلصة بنية، كسرات خبز أرق من ورق السيجارة، تكفي للغذاء والعشاء، تقدم مرة احدة في الساعة 14. يقفل الباب ويبدأ تقاسم الطعام الذي لا يكفي، لكن السجين دياب كان يتلقى أقل من الآخرين.

في الساعة الثالثة بعد الظهر، يطفأ المصباح، وعدا ممر مسيّج يؤدي الى البهو، فليس في الزنزانة أي نافذة أو كوة. وبسبب ضيق المكان، من المستحيل التمدد على الظهر. قرابة ثلاثين معتقلاً يعيشون مكدسين في مساحة 25 متراً مربعاً. وهذا يُجبر المعتقلون على النوم على جوانبهم، أو أن يتناوبوا على النوم. بعضهم يحتل الزوايا أو على مقربة من الباب حيث يتسرب قليل من الهواء. المعتقل دياب ورث أسوأ مكان. فهو ينام قرب المراحيض المسدودة وعنده غطاءان بدلاً من ثلاثة، على الرغم من البرد القارس الذي يستمر ستة أشهر في السنة. “كل السجناء كانوا سلفيين، ما عدايي”. قال ليشرح الفارق المتمثل بهذه المعاملة التي تلقاها. فهذا الشاب الناشط اعتقل عام 2006 الى 2011 في صيدنايا، أحد أفظع المعتقلات في الأرياف، يقع ثلاثين كيلومتراً شمالي دمشق.

عش نسور معلق على رأس جبل، ارتفاعه 1300 متر. فدياب بنظارتيه المستديرتين، وبداية نبت لحيته، يبدو كأنه طالب، ها هو يعيش منذ إطلاق سراحه في اسطنبول. جالساً في فندق، قرب شارع تقسيم المشهور، يشغل حاسوبه ويشير الى الصورة المأخوذة بالأقمار الصناعية، للمبنى الرئيسي للسجن، وحوله الجدران الثلاثة، وحقول الألغام، والمسلحون المختبئون خلف المتاريس: “من المستحيل الهروب”.

وللسجن خصائص أخرى منها: هنا يرمي بشار الأسد أعداءه السياسيين: من استقلاليين أكراد، ومن مقاتلين مسيحيين سابقين من القوات اللبنانية، وخصوصاً من الإسلاميين، أعضاء القاعدة، أو جنود قدامى من العراق، أو الشيشان، أو أفغانستان.

حتى عام 2011 كان الجهاديون يشكلون ثلثي المعتقلين. خلال عقد، استخدمتهم السلطات السورية ليحاربوا القوات الأميركية في العراق أو إثارة الفتن والقلاقل في لبنان المجاور. ومنذ بداية الثورة، أطلق النظام أعداداً كبيرة من المساجين. وقادتهم يديرون حالياً المتمردين المتطرفين.

فسجن صيدنايا هو خير مثال للدكتاتورية السورية، ولا في أي مكان آخر، يمكن أن تظهر ممارسته القمعية، أو مؤامراته، وعلاقاته المضطربة بالإسلاميين. “كانوا يمارسون معنا لعبة فئران المختبرت” يقول السجين السابق ماهر أسبر (33 عاماً)، سجين قديم لجأ الى بيروت. فهذا المناضل الليبرالي من الطائفة الإسماعيلية، هو أيضاً فُصل عن رفاقه، ووضع على امتداد خمس سنوات في زنزانة “مجانين الله”: “أظن أن السلطات وضعتني مع هؤلاء لترى إن كانوا سيقتلونني”.

فماهر ودياب، وهما طالبان شابان دخلا المعترك “مع انطلاق الربيع العربي في دمشق”، في هذه المدة القصيرة التي أبدى فيها الأسد الانفتاح والتي واكبت صعوده الى السلطة، كانا يترددان الى المنتديات الفكرية النقاشية، والى الصالونات التي يتبادل فيها الحاضرون آراءهم، وأحلامهم التي لم تدم طويلاً، بعدما منعت. وأقاما موقعهما باسم “اخوة” (Fraternite)، للدعوة الى سوريا حرة ومدنية، وأسسا حزباً وتجرأا على التظاهر في دمشق. “كنا نظن أن النظام سيسقط”، كما يقول دياب. وتقرير التحقيق الدولي ألم يتهم مقربين من بشار الأسد بقتل الرئيس الحريري؟ والقوات السورية ألم تخرج من بلاد الأرز تحت ضغط الأمم المتحدة؟ إنهم يمثلون تهديداً كبيراً خصوصاً عندما ينظمون شباباً من كل الطوائف، مسيحيين، سنة، وعلويين، هذا الفرع المنشق عن الإسلام، والذي ينتمي اليه الأسد، واليه يستندون.

اعتقلا معاً، ماهر في 23 شباط 2006، دياب، بعد شهر. وتعرضا للتعذيب والوحشية، والاستجوابات في مركز المخابرات العسكرية الجوية، إحدى المخابرات الأكثر بربرية وقسوة وقدما الى الأمن القومي. اثنتا عشرة سنة سجناً لماهر، وخمس سنوات لصديقه.

وفي صيدنايا ومن باب الترحيب بالسجناء، تعمد الشرطة العسكرية على إرغام الوافدين الجدد على نزع ملابسهم، وأن يسطفوا ومن ثم يركضوا بـ”السليب”، معصوبي العيون، تحت سيل من الضرب والركل. يسمون هذا الاستقبال قطار الفرح.. كما يقول دياب. والويل لمن يتأرجح، فقد يجر الجميع الى السقوط معه، وعندها يغضب الحرس. فيضربوننا بكل ما يؤتون، بالأقدام، والقبضات، بالهوارات، بالأسلاك الكهربائية…”. وهذه الحفلة من الضرب تستمر حتى المساء ومن وسائل التعذيب “الدولاب”، أو المشنقة، حيث يُعلق سجين بشريط، متأرجحاً في الهواء تحت الصدمات، أما وسيلة “الدولاب”، فيوضع السجين داخل دولاب الشاحنة المستدير. الجسد مطوي الى نصفين، وقفا قدميه موثوقة لضرب الكرابيح الذي يمارسه الجلاد.. وعند كل إغماءة، كانوا يرشون علي الماء (كما يقول ماهر)، “يقيس طبيب نبضات قلبي ثم يستأنفون الضرب”.

يمضون ثمانية أشهر في الانفراد. في القبو، في نسيان كبير “كقبر”، بحسب دياب. إذا وقف يصطدم رأسه بالسقف، وكتفاه تلامسان الجدران. إذا تمدد تصل قدماه الى الباب. والفجوة التي تُستخدم في المرحاض تفيض “الرائحة رهيبة، كنت أنام وسط البراز”. الحراس يخبطون على الأبواب في أي مناسبة ليبقوا المعتقلين مستيقظين. فقدوا الإحساس بالليل والنهار، ثمانية أشهر تقريباً بلا نوم، من دون رؤية السماء، من دون خروج، إلا للذهاب الى المحكمة. ثمانية شهور من الشتائم والإهانات والضرب قبل أن يتم نقلهم الى زنزانة جماعية.

في سجن صيدنايا نجد كل أنواع الناس (إخوان مسلمون، عرب، إسرائيليون). أحد السجناء القدامى عدنان قصار، كان يدير في الماضي الفريق السوري للسباحة. وكان ضمن الفريق ابن الرئيس الراحل حافظ الأسد باسل والذي كان من المفترض أن يخلف والده لولا مقتله في حادث سير. في بطولة المتوسط عام 1992 راكم أخطاء. لكن عدنان قصار تجنب الخوض في الموضوع وتحديد الأخطاء. لكن بعد ستة أشهر، استدعي ومتفجرات مخبأة في حقيبته. والعمل وراؤه عسكري. أقصي عدنان قصار وتسلم باسل قيادة رياضة الفروسية. في عام 1994، وبعد الحادث القاتل لباسل أخرج كابتن الفريق السابق، وتعرض للضرب، من قبل الجلادين وسجن وكأنه كان مسؤولاً عن الحادث، الذي كان يجهل عنه كل شيء. ولم يعرف غياب مضطهده إلا بعد ذلك. ومنذ ذلك الحين، وفي كل ذكرى رحيل لباسل، يُمارس عليه العنف ذاته.

بيئة أخرى تنتظر الشابين ماهر ودياب. فخلف القضبان يكتشفان الجهاديين: زملاؤهما في الزنزانة كانا يدعيان ابرهيم الضاهر كما قال أبو حفيظة، الأمير السابق عند أبو مصعب الزرقاوي، القائد السابق للقاعدة في بلاد الرافدين، محمد عياد الزمر، الحارس السابق لحرس بن لادن، أبو طلحة، أحد المسؤولين عن اغتيال المخرج الهولندي ثيو فان غوغ وآخرين. فهم ينتمون الى شبكة القاعدة أو الى أحد التابعين لها مثل “جند الشام”. وكانوا يشتبهون بهؤلاء الليبراليين باعتبارهم مخبرين بل اسوأ كفاراً. وقبل ستة أشهر ذبحوا ستة من الذين يشاركونهم السجن من مسيحيين، بعدما عمدت سلطات السجن الى وضعهم معهم. وضعوني في جحر ولا أحد منهم كان يكلمني”. يقول دياب “معظمهم يريد تصفيتي” (يضيف ماهر). و”طالبت عدة مرات بأن أعاد الى السجن الانفرادي، إذ كنت أفضل أن أكون انفرادياً. ورفض المدير طلبي”.

كان يُعتقل هؤلاء الجهاديون، غالباً، عند عودتهم من العراق، بعد حربهم على الكفار الأميركيين “أنتم أرسلتمونا الى هناك، فلماذا تعيدوننا الى السجن، صرخ أحدهم في وجه الحارس. الآخرون سلموا عبر المخابرات الأميركية في إطار برنامج “إعادة التسليم”، وهو عنوان لمحاربة الإرهاب عند مختلف الدكتاتوريات العربية. بشار الأسد يستخدم معتقله كنوع من الاحتضان، فبين 2005 و2006، عشرات السجناء، وفي طليعتهم الفلسطينيون، وشاكر العبسي، أفرج عنهم بشرط أن يذهبوا ويكونوا جماعة مسلحة هي “فتح الإسلام”، في لبنان كعقاب له على طرد الجيش السوري من أراضيه. أما الذين يرفضون بحجة أن لبنان ليس ضمن أراضي الجهاد، فكانوا يعادون الى السجن. معظم هؤلاء المقاتلين قتلوا عام 2007 في نهر البارد، في المخيم الفلسطيني في طرابلس. الأوضاع الحياتية في معتقل صيدنايا تستمر في التدهور. يشكوا السجناء الجوع، وتصيبهم الأمراض، وأشكال العنف المتواصلة. فالماء لا يأتي سوى 10 دقائق يومياً. والسجن تغطيه الثلوح حتى منتصف أيار، وهو ليس مجهزاً بالتدفئة. فمديره يفضل بيع مخزونات المازوت في السوق السوداء. والأدوية شبه مفقودة “في زنزانتنا مات لبناني بأزمة قلبية (يتذكر دياب)، وعندما بدأت نوبته أخذنا نصرخ مستنجدين للمساعدة، لكنهم أهملوا نداءاتنا. والحارس لم يفتح الباب سوى في اليوم التالي لتوزيع الطعام، وكان يعرف أن هناك شخصاً بيننا ينازع”.

في السابع والعشرين من آذار انفجر عصيان في جناح B، الطابق الثالث وهو الأكثر تعرضاً لريح الشمال وروائح المراحيض. وهذا الجناح مخصص للسجناء الذين لم يحاكموا: سلفيين في معظمهم… وهؤلاء محاربون حقيقيون خاضوا معارك في العراق وأفغانستان. كما يقول دياب.

وقد جاءت التعزيزات، وعقدت مفاوضات، السجناء يطالبون بطعام أفضل، بحق الزيارات، وإعادة بحث ملفاتهم. وقد تلقوا وعوداً، وعادوا الى زنزاناتهم. انفجار كبير آخر في 5 تموز، حطم فيه السجناء جدران زنزاناتهم، وشهروا سيوفاً، وسواطير صنعوها من الأنابيب الحديدية، وحاصروا بها قوات النظام، واتخذوا هذه المرة مئات الرهائن. حاصر الجيش السجن، وأطلق نيرانه عليهم، وقتل منهم أكثر من ستين سجيناً وخمسين جندياً.. مجزرة.

كان يومها بشار الأسد ضيف نيقولا ساركوزي كضيف شرف في احتفالات 14 تموز (…) “أنا – يقول دياب – كنت مستعداً لمقاتلة النظام حتى آخر رمق، وكذلك الجهاديين” (…).

قبل اندلاع الانتفاضة في سوريا في الخامس عشر من آذار، شاهد السجين دياب خروج طلائع الجهاديين، تُعاد محاكمتهم شكلياً وبسرعة ويُفرج عنهم بالمئات. سيغادرون معتقل صيدنايا حتى أخطرهم”. ويضيف ماهر “النظام ليس غبياً. فقد رأى ما يدور حوله وبدأ يستعد. أطلق هؤلاء الجهاديين ليفعلوا ما يفعلونه اليوم”. بعد عشرة أشهر قدامى سجناء صيدنايا أمثال أبو محمد الجولاني وأبو طلحة، وجميل زينه الملقب بـ”أبو حسين”، ينشئون “جبهة النصرة”. آخروون أمثال أبو حذيفة انضموا الى دولة العراق الإسلامية في العراق وفي المشرق”.

المجموعتان المرتبطان بالقاعدة تسيطران اليوم على مجمل شمالي سوريا. فأحمد عيسى الشيخ وحسان عبود، وهما مسجونان سابقان، يقودان “صقور الشام” و”أحرار الشام”. زهران علوش، الذي كان أثناء سجنه متهماً بالعمالة، ويقود “جيش الإسلام”. ووسائل إعلام النظام تجري معه مقابلات مستمرة في “يوتيوب”، الذي يهدد قبل عام، باستخدام السلاح الكيماوي.

أطلق سراح دياب في 3 نيسان، وصديقه ماهر، في 5 حزيران 2011. وبدلاً من أن يعملا كمخبرين في النظام، كما طلب منهما هذا الأخير، اختارا المنفى.

أما مدير معتقل صيدنايا طلعت محفوظ فقد قبض عليه الثوار في أيار الماضي وأعدموه. وعدنان قصار، المدير السابق للفريق الوطني، فهو ما زال حتى اليوم خلف القضبان”.