//Put this in the section

نزع الحجاب عن العقل -5- ليلى مار

اهتم الدين الاسلامي كثيراً بالجانب الاجتماعي وبالأسس التي تضبط تعامل البشر مع بعضهم البعض، أكثر من تركيزه على العبادات، وحتى النبي (ص) في خطبة الوداع ركّز على السلوك والأخلاق، وذكّر أصحابه وأوصاهم بها، ومن هذا المنطلق فكرت أن أكتب في هذا الموضوع الشائك الحسّاس، وأريد التنويه أنني احترم قناعات الناس فيما يرتدون وما يعتقدون، وأنني هنا لا أهاجم الحجاب ولا المحجبات، فالمحجبات هن أمي وأختي وزوجة أخي وصديقتي وجارتي، وجزء كبير من المجتمع المحيط بي.

أنا فقط أنتقد بعض السلوكيات السلبية الدارجة جداً في مجتمعنا، وهدفي من ذلك أن نعرّي ذواتنا من عقدها ونواجهها بأخطائها، كي يتحمّل كل منا مسألة سوء فهمه للآخر، ويعمل على تغيير نظرته النمطية المسبقة له، كي ينصلح مجتمعنا بالوعي، ويرتقي بنا في زمن ما بعد الثورة.




لا تعنيني حقاً حياة الناس الخاصة، ولا تعنيني الممارسات الدينية لكل انسان في إطار عبادته لله؛ فلكل انسان الحق والحرية بأن يكون متديناً أو لا يكون، وبأن يقوم بالفرائض وحدها أو يزيد عليها ما شاء من السنن، ولكن التشدد قد يؤثر سلباً حتى على أضيق دائرة اجتماعية، ألا وهي الأسرة.

فقد كان لي زميل تحدثنا مرة في شؤوننا الخاصة؛ فحدّثني عن زوجته التي يجدها على سجادة الصلاة إذ ينصرف للعمل، وإذ يعود منه، وهي ما زالت تقرأ الأدعية!

وأردف قائلاً: والله لقد جعلتني أكره الدين وكل فروضه، وأكفر حتى بالله، وانصرف عنها إلى سواها!

تذكرت ذلك الرجل الملحد، عندما سمعت قول جارتي، وقد زرتها كي نتعارف:

أنا عندي طقوس للعبادة طويلة، وأوراد (أدعية خاصة) أقرأها كل يوم قبل انشغالي بالطبخ.. بشو بدو ينفعني جوزي؟!.. الله وحده بينفعني!

وعندما انصرفت إلى بيتي، فكرت بتفكيرها العجيب، ومع مرور بعض الوقت ومن أحاديث أخرى لي معها، عرفت أنها قد تزوجت وهي صغيرة، فصارت سيدة تقضي أوقاتها في المطبخ، ثم أنجبت فصارت أماً، وبعد سنوات طويلة من الزواج، وبعد تزويج الأولاد وانتهاء آخر مهمة عائلية لها، لم يعد للزوج عندها من وظيفة، وإن كانت مجرد مودة تجمع بينهما، ودردشة لطيفة على فنجان قهوة بعد أن خلا البيت من الأولاد، وصارا وحدهما، وكما كانا في البداية!

لقد صار لكل من جارتي وزوجها عالمهما الخاص، ولم يعد يجمعهما معاً ولا حتى زيارات الأولاد؛ فالزوج يخرج من البيت بعد الغداء ليتسلى في المكتب الذي يديره ولده حتى الليل؛ ثم يجلس متفرجاً وحده على التلفاز في غرفته!

وقارنت بين جارتي تلك وبين صديقتي التي عاشت نفس ظروفها، وتزوجت بسن مبكرة، ولم تكمل دراستها، لكنها كانت ذات وعي، وكانت تقرأ أحياناً الأدعية وأحياناً كتباً، وكانت سعيدة جداً أنها عادت مع زوجها عروساً وعريساً من جديد، بعد أن خلا البيت من أولاد كبروا وتزوجوا، وصارا وحدهما، وكما كانا في البداية!

جارتي المهووسة بالأدعية لم تفقه من أمر الثورة شيئاً، وقالت لي عندما نشبت نيرانها وتساقط شبابها السلميين: نحنا كنا عايشين بأمن وأمان ومو ناقصنا شي..

وهي كانت فعلاً هيك عايشة حسب تفكيرها، وباعتبار فيه بحبوحة، وكل يوم في كبة أو سجق أو محاشي!