//Put this in the section

نزع الحجاب عن العقل – ٤- ليلى مار

اهتم الدين الاسلامي كثيراً بالجانب الاجتماعي وبالأسس التي تضبط تعامل البشر مع بعضهم البعض، أكثر من تركيزه على العبادات، وحتى النبي (ص) في خطبة الوداع ركّز على السلوك والأخلاق، وذكّر أصحابه وأوصاهم بها، ومن هذا المنطلق فكرت أن أكتب في هذا الموضوع الشائك الحسّاس، وأريد التنويه أنني احترم قناعات الناس فيما يرتدون وما يعتقدون، وأنني هنا لا أهاجم الحجاب ولا المحجبات، فالمحجبات هن أمي وأختي وزوجة أخي وصديقتي وجارتي، وجزء كبير من المجتمع المحيط بي.

أنا فقط أنتقد بعض السلوكيات السلبية الدارجة جداً في مجتمعنا، وهدفي من ذلك أن نعرّي ذواتنا من عقدها ونواجهها بأخطائها، كي يتحمّل كل منا مسألة سوء فهمه للآخر، ويعمل على تغيير نظرته النمطية المسبقة له، كي ينصلح مجتمعنا بالوعي، ويرتقي بنا في زمن ما بعد الثورة.




هي إذن دعوة ايجابية لنزع الحجاب عن العقل، وليست دعوة محرّضة لنزع الحجاب عن الرأس!

فلا ثورة حقيقية إن لم تكن في العقل أولاً.. لا ثورة حقيقية إن لم يتكامل فيها الجانب الاجتماعي مع السياسي.

وضعت أمي على رأسها الحجاب عندما استقالت من وظيفتها، ووضعته أختي عندما تجاوزت الأربعين من العمر، ووضعته زوجة أخي عندما تزوجت منه!.. ربما بتأثير من أمي وخالي!

وإذ بقيت أنا بلا حجاب، كانت أمي تلمّح لي من حين لحين بضرورة أن أتحجب، ثم تتوقف إذ تسمع جوابي بأن القرآن الكريم لم يحدد لنا شكل الحجاب الذي علينا أن نرتديه كي نلتزم به من حيث الشكل، كما أوصانا به تماماً، وأن الله أمرنا بالاحتشام وهي ترى أنني محتشمة وفق ثياب العصر الذي نعيش فيه.

لكنها لم ترضى عن قولي لدرجة أنها غضبت مرة وقالت لأختي: والله جايه على بالي ما عود خليها تجي لعندي!!

قالت لها أختي: شو هالحكي يا أمي؟.. هي حرة بقناعاتها.

وعندما وشت لي أختي بما قالته أمي أصابني مع الغضب شعور بالصدمة وبالحنق!!

كيف لأم أن تفكر هكذا؟!.. أم تفكر بمنع ابنتها من زيارتها لمجرد اختلاف القناعات بشأن اللباس؟

كيف نسيت قولها عندما كنت في المدرسة، وخطر ببالي أن أتحجب؟!

كيف نسيت فعلها، وهي التي لم تقتنع بنصف الايشارب فخلعته عن رأسها في الشباب، ولم تلبس الحجاب إلا عندما بدأت تدخل مرحلة الكهولة، وبعد أن رأت في المنام كلمة “الله”، فتحجبت؟!

كيف يتحول الانسان من الاعتدال إلى التشدد، لمجرد أنه صار أكثر التزاماً باللباس الذي اتفقوا على تسميته بالشرعي.. مع أنها تعرف أنني محتشمة في اللباس؟؟

كيف تريد أمي عزلي وتعبر عن رغبتها بمنعي من زيارتها، حتى وإن لم تكن تعني فعلاً ما تقول، لمجرد أن رأيي بشأن الحجاب لم يعد يتوافق مع رأيها؟!

لم أخبر أمي بما عرفته من قولها؛ ولكنها هي أيضاً توقفت عن محاولة هدايتي بطريقتها الخاصة.

كثير من الناس هم هكذا.. يتحولون فجأة من حال إلى حال يناقضه تماماً، ولا حل وسط بينهما..

كحال قريبي الذي كان يسهر ويسكر ويرافق الغانيات، ويلاحق الجميلات في الشارع؛ ثم صار بعد أن اهتدى للصلاة والصوم متطرفاً لدرجة عدم تقبله لدين آخر أو طائفة أخرى!

أسلوب العزل وتقييم وتقسيم الناس وفق اللباس ما بين كافر ومؤمن، هو فكر اجتماعي شائع جداً ومتنوع الصور؛ فقد شكوت مرة لأمي (قبل أن أعرف ما قالته لأختي) من أن بعضاً من الجيران في البناية التي انتقلت إليها حديثاً، لا يسلّمون علي إن التقينا في درج البناية.

لم أكن أقصد الرجال؛ فقد تعودت في مجتمعنا أنه غالباً من العيب أن يسلّم الرجل على جارته (والعكس صحيح) حتى وإن كانت تجاوره منذ زمن، ولكنني كنت أقصد النساء..

فردت أمي رداً عجيباً، وهي التي كانت توصي زميلتها المسيحية على البخور من دير صيدنايا، إذ قالت:
ربما ظنوا أنك مسيحية!

– ما أعجب قولك يا أمي.. وهل أنا لا أستأهل التحية إن كنت مسيحية؟!
وإن كنت أعجب من قول أمي فهو عجبي فقط من تحليلها لمسألة الجيران الذين كانوا لا يسلمون لسبب ما أو لآخر، وربما أنهم لم يكونوا من السكان، وإنما زواراً.. وإن كان ذلك لا يبرر عدم إلقاء التحية.

لكن الحقيقة المرة هي مجرد سفوري يعني بنظر البعض أن الايمان عندي غير مكتمل.

فقد قال لي زميل ما يشابه قول أمي، عندما أخبرته كيف أنني أبدي للشبيحة عند الحواجز انزعاجي منهم؛ فيخرسون أمامي؛ فأجاب: ربما أنهم يظنونك علوية!

أتذكر، إذ أتذكر هذه التحليلات، ابنة عم أبي التي هي في عمر أمي، والتي لم تقتنع بالحجاب لكنها صارت تغطي شعرها بشال فقط كي لا يراها الناس شاذة عن القاعدة، وأما أمي فهي وإن كانت قد صارت متشددة فيما يتعلق بنظرتها للحجاب؛ إلا أنها (والحمد لله) ما زالت تتقبل الدين الآخر والطائفة الأخرى؛ فأرجو من الله أن يديم عليها هذه النعمة طوال حياتها!