//Put this in the section

نحن “السنة” في سوريا

د أحمد الشامي – باريس – بيروت اوبزرفر

نحن السنة في سوريا نشكل ثلاثة أرباع سكانها في حين يشكل العلويون 90 في المائة من ضباط جيشها الذي يسفك دمنا بأريحية لايخجل منها سلفه “الشيعي” تيمورلنك، نحن السنة في سوريا نموت بمئات الآلاف ويأتي العالم ليخاف على مصير قاتلينا ٳن انتصرت الضحية على الجلاد.




أسمانا الغرب “يتامى السلطان” فأصبحنا أيتام العالم وصارت جثثنا وجثث أولادنا في كل بحار اﻷرض وعلى شواطئ اللئام. ماعاد هناك من “يهودي تائه”، في المقابل أصبح كل سنة سوريا، وقريبا كل سنة المشرق العربي، تائهين.

نحن السنة “استأسدنا” على يهود الشام الضعفاء حين عجزنا عن مواجهة ٳخوتهم في الجنوب، ومن يومها “يسـتأسد” الجميع علينا حتى الفئران، عجزنا عن أن نوحد كلمتنا وانقسمنا بين “بني علمان” و”ٳخونجي مرتد” أو “سلفي”، فأتحفنا أعداؤنا “بأمير مؤمنين” من عندياتهم، متسردب في “تورا بورا” بحمايتهم، حتى صار كلام هذا اﻷفاق حكما بين فصائل من يدّعون الجهاد منا وهم عن الجهاد اﻷكبر بعيدون بعد السماء عن اﻷرض.

نحن السنة حافظنا على مراقد اﻷنبياء والصالحين وجعلناها مزارات للمؤمنين فأصبحت هذه المراقد نقاط تجمع لكل من يريد ذبحنا وخناجر مغموسة في دماء أطفالنا. أفقنا على حقيقة أن من آويناهم بين ظهرانينا وفتحنا لهم قلوبنا وبيوتنا حجاجاً وزائرين، لاجئين وضيوفاً، كانو يعدّون لذبحنا واستباحة مقدساتنا وﻹقامة أعراس الدم في بيوتنا انتقاما لطالب خلافة قتله خليفة لم نختر أياً منهما ولا يعرف أغلبنا ماهي قصتهما.

أصبحنا، بين ليلة وضحاها، أحفاد معاوية ويزيد! اكتشفنا أننا “أمويون” وأن دم الحسين برقبتنا وبرقاب أولادنا ٳلى يوم الدين، هكذا قال “الدجّال الفقيه” وتلميذه النجيب، أسد الضاحية وأرنب الجنوب، تماماً كمثله اﻷعلى، “أسد” دمشق ونعامة الجولان. بالنسبة لهؤلاء فالسني الجيد هو من تشيّع أو مات تحت سنابك جند “شيعة علي بن أبي طالب” القادمين من كل حدب وصوب ثأراً لمأساة عمرها ثلاثة عشر قرناً من الزمان.

نحن السنة في سوريا محسوبون على عالم سني يعد بالمليار، لكن لاخير فيه ولا أمل يُرتجى منه، فهذا العالم يهب كالغضنفر من أجل فيلم تافه ولا يبالي بفيلم الموت والاغتصاب الطويل في الشام الشريف، كما لم يبالِ باغتصاب أول القبلتين وثاني الحرمين. حين تثور حمية بعض الشباب ممن في قلبهم نبضة كرامة، يتلقفهم أدعياء الجهاد ويرسلونهم للموت المجاني لينعتوهم بعد ذلك “باﻹرهاب”…خدمة لمعسكر الممانعة ضد “الشيطان اﻷمريكي اﻷكبر” فلامانع أن يعيث كل شياطين اﻷرض فساداً في بلاد المسلمين مادام أدعياء المقاومة ينبحون “الموت ﻷمريكا”.

نحن السنة لنا مشايخنا اﻷجلاء المتضلعين في العلم، لكن علمهم يقتصر على أمور الحيض والنفاس وعدة الطلاق وٳرضاع الكبير، أما أمور التقنية والحضارة والمجتمع والسياسة والتسليح والعلم الحقيقي، فهذه من توافه اﻷمور التي لا تهم شيوخنا اﻷفاضل وهي من سقط المتاع، فما همهم ٳن متنا جميعاً تحت صواريخ “الكفر” مادامت الجنة مثوانا لمجرد أننا قد حضرنا جلسات دروسهم بعد “التراويح” واستمعنا لخطاباتهم العصماء حول أصول العقيدة وأركان اﻹسلام الصحيح. احتاج اﻷمر لعامين من مجازر “داعش” وأخواتها لكي يجتمع فقهاء بلاد الشام ويقولوا “أن “التكفير حرام”…

نحن السنة في سوريا لم نصدق كيف تحول اليهودي الوادع ٳلى ذئب كاسر هزم جيوشنا المهلهلة في أيام فاستجرنا بالعسكر لحمايتنا من العدو الرابض في الجنوب. أتانا الذئب العلوي ووراءه الثعلب الروسي بلبوس القومية والعروبة والتقدم وبوعود التحرير والازدهار. مالبث الضبع الفارسي أن انسل هو أيضاً تحت لبوس “اﻹسلام والمقاومة” ليدخل في جبهة الممانعة، التي لاتمانع ٳلا في تحررنا ولاتقاوم ٳلا رغبتنا في العيش بكرامة.

نحن السنة في سوريا اغتررنا بعددنا واعتبرنا أنفسنا “أسودا”ﻷننا أحفاد اﻷسود، نسينا أن الحملان أكثر عددأ من الذئاب بكثير وأن الذئاب لاتأكل بعضها حين تكثر الخرفان…فكانت حريتنا وحياة أولادنا هي الوليمة التي تقاسمتها الوحوش من كل حدب وصوب، حتى “الصبي” الكوري الشمالي وجد لنفسه موطئ قدم في عرس الدم والنهب المنصوب منذ أربعة عقود في تخوم الشام.

نحن السنة أغبياء ﻷننا لم ندرك أن من يقرّعنا صباح مساء بأنباء صموده في وجه المؤامرة هو المؤامرة، وأن الذئب الذي استباح حماة عام 1982 ثم بيروت عام 2008 في ظل تواطؤنا وتقاعسنا لن يطول به اﻷمر قبل أن يجعل من سوريا كلها، ثم من لبنان، “حماة” كبيرة باتساع جبننا ونكوصنا عن المواجهة.

وجهنا عيوننا صوب الجنوب ولعنّا أمريكا صباح مساء، صحبة “أصدقائنا” في محور الممانعة، واستفقنا على حلم مستحيل هو أن تخلصنا أمريكا من “أصدقائنا” أو تسلحنا، لكنها لم تفعل، ولماذا تفعل؟ فنحن نعض كل يد تمتد ٳلينا ونحن ننبذ كل من يسمح لنفسه بالتفكير بحرية وكل من يريد لنا أن ندخل في العصر والحداثة.

نحن السنة في سوريا ناجحون كأفراد وفاشلون كجماعة، نحن شجعان بالمفرق وجبناء بالجملة، كلنا قادة وكلنا يستحق أن يُطاع، سواء كان جاهلاً أو عالماً، مخلصاً أو منافقاً، ألسنا “خير أمة أُخرجت للناس”؟ مثلنا اﻷعلى هو “صاحب الدكان” المساير والمسالم، نعتقد أن رضوخنا للجلاد سيجعله يشفق علينا وربما يبحث عن طريقة ليعمل “بيزنس” معنا. هذا اﻷسلوب نفع مع العثماني الذي شاركنا في السراء والضراء فانقلبنا عليه في ساعة الجد، هذا ما فعلناه أيضاً مع الفرنسي الذي جلب لنا الحضارة وأخرجناه ملعوناً مذموماً. بالمقابل، أسلوب “التاجر الشاطر” لم يصلح مع “تيمورلنك” ولن يصلح مع أحفاده فلا يفل الحديد ٳلا الحديد، وٳن عزّ الحديد فبالحزام الناسف لمن استطاع ٳليه سبيلاً.

نحن السنة في سوريا حسنو الطوية وطيبو القلب ٳلى حد السذاجة، لحقنا “طويلي العمر” وأطعناهم وجعلناهم تيجاناً على رؤوسنا، فكانت النتيجة هي التقصير في أعمارنا وٳطالة عمر مشيخاتهم وأنظمتهم الخارجة من غياهب القرون الوسطى، فلاهم أعانونا على النصر والمواجهة ولانحن أصبحنا لهم سنداً وعمقاً استراتيجياً.

نحن السنة في سوريا ننتظر المدد من الله بعدما خذلنا الجميع وقبلهم كنا أول من خذل نفسه، استجدينا العون من الشرق والغرب فلم يأت ٳلينا أحد ولن يأتي أحد، جبننا أصبح مضرب اﻷمثال، نريد من الغربي أن يموت على ترابنا، لنحيا، نفضل الموت على الحدود أو في قاع البحار، فارين مستضعفين، على الموت بكرامة ونحن نجز عنق جزّارينا.

نحن السنة ركضنا وراء كل أفاق يصرخ “الموت ل…” ولم نر أننا كنا نركض وراء السراب، أردنا أن يتغير حالنا ٳلى اﻷفضل وأن يعيننا الله على أن يتغير حالنا دون أن نغير شيئاً.

نحن السنة، ليس فقط في سوريا بل في العالم أجمع، تناسينا الآية الكريمة في سورة الرعد : ” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ “. صدق الله العظيم.