//Put this in the section

حلفاء إيران وانتصارات الفقيه المأزوم حتى الهزيمة

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

وسط التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة والملفات المُتَفَجّرة التي تحاول القوى العالمية نزع فتيلها، أسئلة كثيرة لازالت على طاولة المفاوضات ولا يُمكن ربطها ببعض إلا من خلال أزمتين إقليميتين تتلازمان مساراً ومصيراً، ولاشك أن المساحة الجغرافية التي تفصل ”كيماوي“ النظام السوري عن ”نووي“ طهران، تضيق لتتظهّر في مشهد واحد يتكرر كلّما اتجهت استراتيجيا تلك القوى نحو اتفاق شامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومتابعة أشد صرامة لما التزم به بشّار الأسد في مرحلة أولية مؤقتة كان الجميع يحتاجها، وبين المرحلي والنهائي تتداخل عدّة أوراق فاصلة قد تزيد من صعوبة إتمام الصفقات المرجوَة اذا جاز التعبير، لتبقى الأصعب إسرائيل التي تُطالبها واشنطن بمُشاركتها البحث عن صيغة حل لا يزيد الأمور تعقيداً، وما بين السري والعلني قد تختلف معظم وجهات النظر، وتوجّهات، لربما لا تعود تُعَبّر عن تفاؤل أصحابها.




تحويل مواجهة أكيدة الى أجندة تفاوض ليس بالأمر البسيط وإن كان مؤقتاً، وانكفاء التصعيد لمصلحة تبريد الصراع العسكري الأُمَمي في المنطقة، يُعَد من الإنجازات المحسوبة بالثواني، إنما بلورته تحتاج حسابات لا تقل أهمية عن نجاحه، ولا يُمكن التخفيف من وقع فشله في حال سقطت التفاهمات التي صيغت بعيداً عن الأضواء في بداياتها، إنتصار مُضَخّم يُسَوّق لحساب مِحوَر لا يكاد يُسأل ليتنازل، ”البروباغندا“ في مكان والحقيقة في مكان آخر، كل التوصيفات الحالية تندرج في خانة التعميَة عن المُتغيّرات المُقبلة، أقلّه على مستوى تمرير المرحلة الإنتقالية ما بين مبدئي وفعلي وسلاح وربطة عنق، أكثر من قاسم مُشتَرَك يجمع بين تفكيك ترسانات الكيماوي والنووي، وأكثر من دافع مُشتَرَك يُساهم في منح الأسد أحزمة أمان حتى الساعة، المشهد لا يقل ضبابية عن النوايا المُشتَرَكَة، ولابد أن تُتَرجَم الديبلوماسية السرية (الأميريكو- إيرانية) التي خرجت الى النور مؤخراً، الى قرارات ومواقف غنية بالعد العكسي في اتجاهات لا يُمكن التغاضي عنها ولا تجاوزها مُستَقبَلاً.. أحدهم سوف يدفع الحساب.

التنازلات التي قدّمتها إيران في ما يتعلق ببرنامجها النووي ومنذ الجولة الأولى جوهرية جداً، في المُقابل هناك إصرار من قِبَل القوى ”المُفاوِضَة“ أن لا تحالف جديد يلوح في الأفق الشرق أوسطي، وأن لا صفقات على حساب تحالفاتها الراسخة في المنطقة، وما بين الجهتين، هناك مَن يظن أنه أقرب الى لحظات الحسم من الجميع، وعلى قاب قوسين من تحقيق ما عجز عنه باقي ”الوكلاء الإقليميين“ خلال سنوات طويلة بين ليلة ومفاوضاتها، ويبدو أن منسوب الثقة الذي أوحت به طهران لحلفائها مُرتَفِع الى درجة الخيال، فيما تخوض شروط عقوبات تكاد تُجَرّدُها من قدراتها المُتطوِرة، وإمكانيات لضربات عسكرية غير مسبوقة في حال أخلّت بالإتفاق، ربما تطال عمق مُنشآتها النووية وتتخطاها الى شلّ كافة قدراتها الدفاعية والعسكرية، طهران في مُستنقع لا يُخرجها منه سوى الإلتزام بما يُحاول الغرب انتزاعه منها عبر ديبلوماسية التفاوض.

المُفاوضات المُقبِلَة شاقة ومُعَقّدة، جنيف لم تكن سوى البداية لمرحلة طويلة تتقاطع ما بين الإتفاق والضمانات المطلوبة من إيران، وفيما رفض الغرب التراجع عن نظام العقوبات المُشدّدة المفروضة عليها إلا بنسبة بسيطة، أسقطت طهران من جهتها معظم الخطوط الحمر التي كانت حتى الأمس القريب لاتزال مُتمَسِكَة بها، وخِلافاً لنهج التحديّات السابق الذي ما زادها سوى عزلة، تحوّلت الجمهورية الإسلامية نحو الحكمة والدهاء في التعاطي مع الكتلة الدوَلية الضاغطة، تكاد الدولة النووية السابقة ”بالتعبير المجازي“ حالياً، أن تتنازل بأبهظ الأثمان حتى تُنجِز اتفاقاً مُتَكامِلاً مع الدوَل الكبرى، ولايزال الحُلفاء المُفتَرَضين يعيشون وهم انتصارات يُحدّدها لهم فقيه مأزوم حتى الهزيمة.. هَزُلَت.

القلق العربي غير مُبَرَر، فكل الحقائق تُثبِت عكس ما يُرَوَج عن انتصار إيراني في مكان ما من اتفاقها مع الغرب، ومساحة حرية أكبر في دعمها نظام بشّار الأسد، سلوك طهران هو الشرط الأساسي في إتمام الإتفاق بشكل كامل ونهائي، والتسويق لإطلاق يدها في المنطقة منعاً لعرقلة المُفاوضات، ليس حقيقة بقدر ما هو استمرار لنفس النَفَس التهويلي التكاذبي الذي يُمارسه محور المُمانعة منذ عقود، صحيح أن الثورة في سوريا لازالت تواجه نظام القتل وحيدة وبأسلحة شبه بدائية، إنما انعكاسات واشنطن- طهران لن تكون بوابة أمان مفتوحة للأسد، كما أن إيران التي تسعى نحو استقرار إقتصادي يُخَفّف من حِدّة أزمتها الداخلية في حال التزمت بكامل الشروط المفروضة عليها، باتت تحتاج ”واجهة سياسية“ تخلف ذراعها العسكرية، وحدوداً آمنة مع مَن يُفتَرَض بعد الإتفاق أن تبقى عدواً، لا حدوداً مُتوَتِرة قد تنسف في لحظة هوجاء كل مُخططاتها، من هنا، يبدو أن مُستقبل حزب الله بات يعنيها بقدر أي تفصيل داخل ما تعتبره هي صفقة ويعتبره الغرب خضوعا لمُقررات مُلزِمَة لن يتراجع عنها.

أقصى ما حققته طهران من خلال قتالها في سوريا بالواسطة عبر حزب الله، كان تحسين شروط المُفاوضات الذي تحقق نسبياً في اتفاق جنيف والذي لا يُمكن اعتباره أكثر من اتفاق أولي لسلسلة طويلة تتوالى تِباعاً، أي خطوة أمنية او عسكرية تُعتَبَر بالنسبة الى إيران بدءاً من لحظة الإتفاق، مُجازفة هي بغنى عنها، واستفزاز في غير مكانه للغرب الذي طالت أزمتها معه، الذكاء والحذر عنوان المرحلة، فيما تتحضر بخبث لتسليم ”رأس النظام السوري“ الحليف مع انطلاق جنيف2، ولاشك أن عدة قوى متضررة من الإتفاق الذي تكاد تنجزه إيران مع العالم الذي انفصلت عنه طيلة سنواتها النووية، سوف تحاول بالتأكيد إبراز عدم جدّية طهران في ما أعلنت عنه من التزامات.. قد تكون البداية من تل أبيب، إنما ومَن يعلم، فربما تمر بالحرس الثوري داخل إيران ولا تتوقف في ضاحية بيروت الجنوبية، ما من مستحيل عندما تصل المسألة الى الأعناق.