//Put this in the section

حرب اﻹرهاب على اﻹرهاب

د أحمد الشامي – باريس – بيروت اوبزرفر

لاجدال في أن اﻷعمال اﻹرهابية هي أعمال مكروهة كونها تهدف ٳلى القتل، لكن ما الفرق بين اﻹرهاب والحرب؟ علماً أن ديدن اﻹثنين هو القتل…




نظرياً، الفرق بين اﻹرهاب والحرب هو أن الحرب تخدم هدفاً سياسياً في حين لايخدم اﻹرهاب أي هدف سياسي مُعلن. هذا من حيث المبدأ، لكن، ماذا حين يصبح “اﻹرهاب” بديلاً عن الحرب؟ هل اﻹرهاب الذي يخدم هدفاً سياسياً يختلف عن الحرب؟ .

في المجتمع المعاصر، أصبح اﻹرهاب هو البديل عن الحرب التقليدية التي أصبح ثمنها مرتفعاً للغاية، هذا مايفسر الطبيعة اﻹرهابية لكل الحروب الحديثة، خاصة بالوكالة، والتي “تتجنب” المواجهات بين الجيوش، سواء لغياب الطرف المقابل والقادر على المواجهة العسكرية، أو لعدم دفع كلفة المواجهة المفتوحة.

هذا مايفسر أن الحرب التي أعلنها محور الشر على أمريكا تمت عبر أداة ٳرهابية اسمها “القاعدة” وهو ما يفسر أن أغلب الحروب التي وقعت منذ انتهاء الحرب الكورية هي حروب “ٳرهابية” في صميمها. باستثناء الغزو العراقي ﻹيران والروسي لجورجيا وهما حربان قام بهما نظامان “ٳرهابيان” حين عجز “اﻹرهاب” العادي عن ٳكمال المهمة.

في هكذا مواجهات هناك طرف متفوق عسكرياً يستعمل فائض قوته “ﻹرهاب” الطرف اﻷضعف العاجز عن الدفاع عن نفسه مما يدفعه للانبطاح في وجه الأقوى. هكذا كان الغزو الروسي ﻷفغانستان وحروب ٳسرائيل ضد لبنان والضفة ثم القطاع ومثلها الغزو اﻷمريكي ﻷفغانستان ثم العراق.

في كل هذه المواجهات كان فارق القوة شاسعاً لدرجة تلغي كل مقارنة ممكنة بين الطرفين وهو مايسمى في العلوم العسكرية بالحروب “غير المتناظرة”. في وجه عدو فائق القدرة لا يستطيع الطرف اﻷضعف سوى اللجوء لحرب اﻷنصار والعمليات الانتحارية التي تعيد بعض التوازن عبر اعتمادها على الخدعة والعامل البشري.

ٳذا كانت اﻷعمال العسكرية في هذا العصر ٳرهابية في عمومها فهل كل هذه اﻷعمال على سوية واحدة أخلاقياً على اﻷقل؟

من وجهة نظر أخلاقية، فالعمل “اﻹرهابي” حين يتجه ٳلى هدف عسكري حصراً دون التسبب في خسائر جانبية ومدنية مقصودة هو عمل “أخلاقي” أقله في منطق الحرب والصراع. بالمقابل، حين يهدف العمل الحربي للقتل المجاني للمدنيين وللتخريب فهو غير أخلاقي ومجرم، بحسب ذات المنطق.

حين نطبق وجهة النظر هذه، فاﻷغلبية الساحقة من تصرفات الجيش اﻷسدي وزبانية ٳيران في الشام هي أعمال ٳرهابية وٳجرامية غير مبررة لا عسكرياً ولا أخلاقياً حتى في مواجهة “عصابات” مسلحة.

على ضوء هذه الرؤية، ماهو موقع تفجير السفارة اﻹيرانية من وجهة نظر أخلاقية؟

يجب التساؤل أولاً ٳن كانت هذه السفارة هدفاً عسكرياً أو مدنياً؟
في أي بلد طبيعي تكون السفارات أهدافاً مدنية محض، لكن في “بئر حسن” فالسفارة اﻹيرانية تعج بالخبراء العسكريين وهي رأس حربة الوجود اﻹيراني في لبنان بما فيه الوجود اﻹيراني المسلح. هذه السفارة هي نقطة تجمع لعملاء ٳيران في بيروت وهي التي تصدر اﻷوامر لمليشيا نصر الله وتنظم عمل الحرس الثوري على امتداد بلاد اﻷرز وهي قاعدة خلفية للأعمال العسكرية اﻹيرانية في المنطقة. هكذا تبدو هذه السفارة أشبه بالسفارة اﻷمريكية في سايغون أثناء الحرب الفيتنامية، أو السفارة السوفييتية في كابول أثناء الاحتلال، ولكي لانذهب بعيداً فهي المعادل الموضوعي للسفارة اﻷمريكية في بغداد بعد الغزو اﻷمريكي.

في أي بلد طبيعي ومستقل، من المستحيل أن تمارس سفارة أي بلد ما تقوم به السفارة اﻹيرانية في بيروت واستطراداً في دمشق. لنتصور للحظة السفارة اﻹيرانية في “الرياض” محروسة من قبل ميليشيا شيعية سبق لها وأن اجتاحت العاصمة السعودية وهي تدير نشاطات التشييع والتجنيد والعمليات العسكرية في البلد المضيف!؟ في بلد يحترم نفسه، ستكون النتيجة هي قطع العلاقات وحتى ٳعلان الحرب.

لنفترض أن السفارة اﻹيرانية هي سفارة مدنية “بنت عالم وناس” ومهذبة لا تتدخل فيما لايعنيها، في هذه الحالة ماالفرق بين سفارة الولي الفقيه في بيروت والسفارة اﻹسرائيلية في “بيونس ايرس” التي فجرها زبانية نصر الله؟ كيف يكون استهداف اﻷولى جريمة شائنة والثانية عملاً فدائياً ؟

هل استهداف السياح اﻹسرائيليين في بلغاريا “عملية استشهادية” وقتل حراس السفارة من المشاركين في اغتيال “هاشم سلمان” عمل ٳرهابي مذموم؟ هل الدم “الفارسي” حرام  والدم “اليهودي” و”السوري” حلال أم ماذا؟

من وجهة نظر أخلاقية فكل البشر سواسية وكل حياة تستحق الاحترام والاختلاف في الرأي والمصالح لايبرر القتل بأي شكل من اﻷشكال. من هنا تنبع اﻷزمة اﻷخلاقية التي يعيشها نظام “الولي الفقيه” ويريد تصديرها لضحاياه، فهذا النظام ولد من رحم اﻹرهاب وعاش باﻹرهاب ومن أجل اﻹرهاب وهو لايبدو قادرا على استجرار غير الموت والألم و اﻹرهاب.

لنتذكر أن الرئيس السابق ﻹيران، أحمدي نجاد، بنى مجده السياسي على مشاركته الفعالة في…اجتياح السفارة اﻷمريكية في طهران عام 1979 وأخذ الموظفين العزل كرهائن…

يبقى السؤال المشروع وهو : هل يكون تفجير سفارة الولي الفقيه فاتحة لحرب اﻹرهاب على اﻹرهاب؟