//Put this in the section

الثورة السورية أكثر من ثورة… مدرسة – محمد صلاح الدين عثمان

“ها هم طغاة العالم إلى مزابل التاريخ يرحلون” عبارة دونتها على حسابي الخاص على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”  في 15 آذار 2010 باللحظة الأولى من أحداث الثورة السورية ؛ أذكر حينها عندما دوتنها أنني تلقيت عدة اتصالات من أصدقاء، ومقربين تنصحني بالتريث قليلا عن الكلام بهذا الموضوع الآن، وعدم الانجرار وراء عاطفتي من أجل أمور  لم تكتمل صورتها بعد. لكنني كنت مصمم على الكتابة لأنني مقتنع تماما أن هذه التحركات التي أسموها بالفردية لها دلالة على إنهاء نظام العائلة الحاكمة في سوريا، ومن يتبعهم من شبيحة وأصهرة وما إلى ذلك.

بقيت على موقفي ولم أكترث للنصائح التي وردتني حتى اتصلت بي إحدى الصديقات وشعرت من خلال صوتها بأن عيناها تدمع، وطلبت لقاء مني في أمر مهم إتفقنا على الموعد لعقد هذا اللقاء. في بداية اللقاء كان الصمت، والدموع سيدا الموقف على مدى ربع ساعة وعيناها شلال من الدموع ، ثم أمسكت بيدها “ورقة محارم”  وبدأت بالكلام وأذكر حينها قالت:  “يا محمد كلنا شباب وكلنا لدينا حماس وكل منا يتمنى أن يسقط بشار الآن قبل الغد جراء التنكيل الذي مارسه جيشه، واستخبارته بحق الشعب اللبناني، لكن الأمور ليست واضحة الآن والصورة غيرمكتملة، وعليك بالتريث قليلا حرام أن تكون ضحية أمور غير واضحة ومجهولة الأبعاد عليك بدرسك، وعملك ناصر المظلوم أينما كان لكن عليك التوقف عن التدوين بما خص الملف السوري ريثما تنجلي الضبابية الكاملة عنها وحينها كلنا ثوار”.




وعدتها حينها أنني سأتوقف عن الكتابة لكنني بقيت على قناعة راسخة أن الاشكال الفردي بدرعا سيتحول إلى ثورة وانتفاضة للاتاحة بحكم أنظمة البعث الديكتتورية. والمفاجئة أنها لم تنتهي أيام قليلة من اللقاء حتى بدأت هي بالتدوين ضد هذه الأنظمة.

نعود إلى الجملة الأولى “ها هم طغاة العالم إلى مزابل التاريخ يرحلون” وبعد الحديث مع صديقتي أيقنت بأنني على حق تماما بما كتبته ولو أن الأمور أخذت أكثر بكثير من وقتها لتحقيق أهدافها وذلك بسبب تواطئ الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية بحجة الأقليات تارة، وعدم وجود البديل تارة أخرى، وأيضا التخوف من المتشددين الذين هم صناعة النظام، لكن جوهر القضية يكمن بأمن اسرائيل، وحماية حدودها لذلك نراهم دائما يصنعون توازن قوى على الأراضي السورية وكلما هزمت فئة أخرى دعمت المنهزمة على المنتصرة سواء كان المنهزم االنظام أو المعارضة، وأيضا هذا التوازن لم يكن لولا إرادة وصلابة الشعب السوري الذي فرض نفسه بالمعادلة السياسية الدولية بداية بسلمية تحركاته الذي اختار أن يواجه باللحم الحي، والصدور العارية على قاعدة من يقاوم النار بالنار يحصد رماد، لكن تصرفات، واستفزازات شبيحة النظام أرغمته على المواجهة العسكرية حتى بتنا نرى الشعب السوري تحول إلى مصانع للأسلحة بعد تواطئ المجتمع الدولي بعدم تسليحه.

من هنا يأتي تشبثنا بدعم القضية السورية أكثر، وأكثر انصافا للحق فلا يمكننا أن نكون من مدرسة ثورة الأرز وأبناء كمال جنبلاط والامام محمد مهدي شمس الدين وبيار الجميل ورفيق الحريري وغيرهم من القادة الكبار ونحن نناصر الجلاد على الضحية لا يمكنني أن أكون من مدرسة الحسين عليه السلام، وأنا أناصر من يصنع باليوم مئة كربلاء ومئة عاشوراء.

لقد أضحت الثورة السورية مدرسة لنا كلبنانين وعرب فانجاز يتبعه انجاز لتخلق نوعا من الفوبيا لدى المجتمع الدولي الذي يسهر على أمن اسرائيل وسلامتها فأكثروا الجماعات المليشاوية لشق الصفوف ودعموها بالمال والعتاد لتغيير وجه الثورة وتبديل صورتها الحقيقية بصور مزيفة من نسج النظام والمجتمع الدولي فلم يتركوا حرمة للأديان ولا للأخلاق ولا لبشيوخ والنساء والأطفال، لتعود الثورة مجددا إلى سكتها الحقيقية بفضل جهود جبارة من قادتها وشعبها ليعود ثوب الحرية والديمقراطية والحداثة إلى الواجهة مجددا وخلق نوع من الارباك والتخبط بصفوف النظام، ومن يسانده.

نعم، إنها ثورة الشعب السوري ثورة الكرامة التي ستغير وجه المنطقة من السيء إلى الأفضل وسيعود الشعب السوري شعب قوي مواكب لعصره بعدما طبع عنه بأذهاننا وأذهان الشعوب هذا النظام أنهم “ما برحوا بغالين وحمارين يأكلون يوما ويشبعون يوما” وايدلوجيتهم الوحيدة اتباع الشهوات، وعدم النظر إلى المستقبل بعين صادقة وقاشعة هذه هي ثقافة النظام، وأخلاقه ثقافة حقد، وكراهية وانتقام من من يغلبه بالرأي يكافئ بالقتل، والتشريد.

لقد نجح الشعب السوري بتحقيق غاياته، وجملة “ها هم طغاة العالم إلى مزابل التاريخ يرحلون” لم تولد من لا شيء وأن آلة القتل والحرب والتشريد التي تعمل ليلا نهارا لاخضاع الشعب، واركاعه وتجويعه أو الرضوخ لم تجدي نفعا، لأن الوحدة والصمود هما سيدا الموقف ومجرد أننا نتكلم عن صمود هذه المدة باللحم الحي هو انتصار بحد ذاته، والآن أزداد مفخرة بانتمائ إلى هذه المدرسة مدرسة كل إنسان عاقل لديه رؤية مستقبلية مدرسة الصمود وترسيخ المبادئ وعدم الاستسلام، والمساوامة، فمنها تعلمنا الانتماء االحقيقي لوطننا وديمغرافيتنا.

وصحيح أن الثورة السورية أكثر من ثورة…. نعم إنها مدرسة.