//Put this in the section

أيها اللبنانيون، الجيش معكم، فمع من أنتم ؟ – حنان الملا

اختصر الفيلم الوثائقي الذي أعدته قيادة الجيش لمناسبة الذكرى ال70 للاستقلال اللبناني، كل المشهد المؤلم، بماضيه القاتم ، وحاضره القلق، ومستقبله الغامض المشرّع على المجهول،

في 6 دقائق حملت معها صفحات من التاريخ الأسود والمظلم من جهة، وأمل بوطن مليء بالحياة والازدهار من جهة أخرى، تحت عنوان “بين المشهدين”، وضعت قيادة الجيش يدها على الجرح النازف منذ 40 عاما، ووضعتنا مجددا أمام السؤال المصيري الذي لم نلق عليه يوما أي جواب، وهو أي لبنان نريد؟




لم يكن صدفة، أو عبثيا في هذه المرحلة بالذات ، أن تطرح المؤسسة العسكرية هذا السؤال على اللبنانيين المنقسمين فيما بينهم إلى حد القتال، والغارقين في وحول الصراعات الإقليمية الدولية وسياسات المحاور التي لا تجد متنفسا سوى على الأرض اللبنانية التي ما زالت في عرف الدول الكبرى صندوق بريد، وساحة مفتوحة لحروب الآخرين بمساعدة ومساندة بعض اللبنانيين أنفسهم.

قبل أشهر قليلة، انتفض الشعب المصري لكرامته وعنفوانه وحريته، مطالبا بإسقاط تنظيم دولي حكم مصر بالتزوير وصادر إرادة المصريين ، وارتهن للخارج بعدما سرق ثورة 25 يناير وقفز عليها، وأمعن في القتل والدكتاتورية وتدمير الدولة ومؤسساتها الدستورية والأمنية والقضائية، وفضّل المصالح الخارجية على مصلحة البلد، ونشر الخوف والرعب  باسم الإسلام الذي هو منه براء.

انتفض الشعب المصري، ووثق بجيشه ثقة عمياء لا جدال فيها ، والتف حول قواته المسلحة ، فاستجاب الجيش للإرادة الشعبية وحمى المواطنين، وأسقط نظام الجهل والظلم والرجعية، وكانت أول كلمة قالها الفريق أول عبدالفتاح السيسي “أن هذا الشعب لم يجد من يرفق به ويحنو عليه فاستجاب الجيش لندائه ووجعه”.

بالعودة إلى لبنان ، تبدو الأمور معكوسة،

بلد يوصف بأنه سويسرا الشرق ،  وجنة الله على الأرض، تحول بفضل القائمين عليه إلى مرتع للإرهايين والانتحاريين وأرض جهاد بدل أرض نصرة، وأصبح غارقا في الفوضى واللااستقرار، والحروب العبثية،

قواه السياسية منقسمة بين المحاور الإقليمية الملتهبة التي تتصارع على النفوذ في المنطقة، ومواطنوه يدفعون يوميا من أرواحهم ودمهم ثمن انقيادهم وراء قيادات فاشلة من كلا الفريقين، فلا 14آذار قادرة على قيادة البلد إلى بر الأمان بسبب عدم امتلاكها القدرة ولا الوسيلة لتحقيق ذلك، ولا 8آذار في وارد الالتفات إلى مصلحة البلد لارتهانها لأجندات خارجية لا مصلحة للبنان بها، وما بينهما شعب يقتل كل يوم ، إما بسبب تأييده خيار هذا الفريق أو ذاك، وإما لأن الصدفة شاءت أن يكون في الزمان الخطأ والمكان الخطأ، لا لذنب ارتكبه سوى أنه آمن بالبلد وبقي فيه.

وفي النتيجة ، أصبح لبنان بلدا ينوء تحت الضربات من كل حدب وصوب، ويصارع الموت، ويواجه باللحم الحي محاولات إلغائه وإسقاطه، رافعا شعار البقاء والحياة أقوى من الموت.

وسط هذا كله  قدمت المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة المفصلية ، وعن سابق تصور وتصميم ودراسة فيلمها الوثائقي ، مخاطبة اللبنانيين مباشرة، وواضعة إياهم أمام مشهدين واضحين:

مشهد الحرب والقتل والدمار وإعادة التاريخ الأسود برعاية الميليشيات والتنظيمات المسلحة غير الشرعية والخارجة عن سلطة الدولة والقانون، ومشهد السلم والحياة والإعمار والمستقبل الزاهر برعاية وإرادة الجيش والشعب والمؤسسات، وفي المشهد الثاني وصوره معان كثيرة.

باختصار،

لقد حسم الجيش خياره بالانحياز إلى جانب الشعب، مصدر السلطات، بعدما أمعنت السلطات والقيمين عليها في تهشيم صورته، وتسابق السياسيون من كلا الفريقين دون استثناء، على تخوينه واتهامه ومهاجمته وطعنه بالظهر وقتل شهدائه مرتين،

ننام في المساء على اتهامه بالارتهان لحزب الله والسيطرة عليه من الحرس الثوري، ونصحى في الصباح على اتهامه بالخضوع لإملاءات المخابرات السعودية وتيار المستقبل،

نسمع دعوات كثيرة ومكثفة توجه إليه صباحا ومساء للضرب بيد من حديد، وعند أول مهمة ينفذها يواجه بالسباب والشتائم والعنف،

تطرب آذاننا لشعارات رفع الغطاء عن المخلين بالأمن، وعندما يقترب الجيش من هؤلاء المخلين لاعتقالهم، تقطع الطرقات وتظهر الأسلحة ويُتهم باستهداف طائفة أو فريق أو مذهب،

حتى بدا أن الغطاء الوحيد الذي تم رفعه ، رُفع عن الجيش نفسه،

يُقتل ضباطه وجنوده فنسمع من يحمّل الضحية مسؤولية استشهادها، ويظهر من يسائل الجيش على قيامه بمهامه، والأوقح أن هناك من يحاسبه على عدم أخذ إذن للدخول إلى هذه المنطقة أو تلك.

في الضاحية والجنوب وبريتال وبعلبك والهرمل حيث نفوذ حزب الله و8آذار، اغتيل ضباط وعناصر أبطال من الجيش أثناء قيامهم بمهامهم وواجبهم بالدفاع عن لبنان، ولا نزال نسمع أن الجيش لا يمكن أن يدخل إلى معاقل حزب الله،

في عرسال ومجدل عنجر وطرابلس وغيرها من المناطق المحسوبة على تيار المستقبل و14آذار، اغتيل ضباط وعناصر أبطال من الجيش أثناء تنفيذ قسمهم بالذود عن الوطن وأرضه، ولا نزال نسمع أن الجيش يتراخى في الحفاظ على الأمن والاستقرار هناك،

الفريقان يريدان الجيش أداة لتنفيذ مصالحهما السياسية والانتخابية وإلا يُخوّن ويُتهم،

الفريقان يحرضانه على الآخر بشعارات رنانة طنانة، فارغة، وإلا يُشتم،

ففي عرسال غداة استشهاد الرائد الشهيد بيار البشعلاني والمعاون الشهيد ابراهيم زهرمان في مقتلة شباط الفائت، سمع الجيش من يحرضه على الدخول إلى البلدة وتدميرها عن بكرة أبيها، فصمّ آذانه وشيّع شهداءه وقال قائده أنه يريد العدل وليس الثأر،

وفي الضاحية غداة استشهاد المقدم الشهيد عباس جمعة، سمع من يحرضه على الدخول إلى المنطقة واستخدام العنف، فاتبع الحكمة حتى اعتقل القاتل من داخل بيئة حزب الله، وأثبت أنه مؤسسة وليس ميليشيا،

وفي عبرا غداة استشهاد 25 ضابط وعسكري على يد عصابة مجرمة، اتهم بالخيانة والغدر،

وفي جبل محسن يتهمونه بحماية تكفيريين وعناصر من جبهة النصرة والجيش الحر وبدعم المسلحين وقادة المحاور،

وفي التبانة يتهمونه بأنه يحمي عصابة مجرمة ويؤمن لها التغطية على جرائمها، ويقاتله المسلحون وقادة المحاور ويتهمونه باستهدافهم والانحياز إلى خصمهم،

ووسط هذا وذاك، وفي ظل التحريض المستمر، يدفع الجيش ضريبة الدم من صفوفه، ويعضّ على الجرح الآتي من الناحيتين، ويتعامل بحكمة وعقلانية مع الأحداث، ليس ضعفا ، بل للحفاظ على السلم الأهلي الذي يتسابق السياسيون على تدمير ركائزه، حتى أدخلوا الغريب بيننا، وكاد الهيكل يسقط فوق رؤوس الجميع،

لكن في العيد ال70 للاستقلال جاء الإعلان المدويّ:

لقد مل الجيش منكم، وملّت الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل من لبس الأسود حدادا، ومل الأطفال من النحيب على آباء نذروا عمرهم وحياتهم ليرووا تراب الوطن بدمائهم للحفاظ على وحدته، وطن تتبارون أنتم على نهشه وتقسيمه وطعنه كرمى لهذا أو ذاك من الدول،

لقد مل الوطن منكم ، ومل جرحه النازف الذي لا يلبث أن يندمل حتى تغرزوا فيه السكين مرة أخرى،

فهل ملّ الشعب ؟

لا أستثني منكم أحدا، جميعكم مخطئون، وجميعكم فاشلون، وكلنا لا نستحق هذا الوطن.

في أم الدنيا، مصر انتفض الشعب والوطن،  فلبى الجيش النداء،

في سويسرا الشرق، لبنان انتفض الجيش والوطن، فهل يلبي الشعب النداء؟

أيها اللبنانيون في عيد استقلالكم ال70، بين المشهدين، أي لبنان تريدون؟

أيها اللبنانيون، الجيش معكم فمع من ستكونون؟

الخيار لكم، واليوم يوم الاختيار، وإلا فلا تبكوا غدا كالنساء على وطن لم تدافعوا عنه اليوم كالرجال.

أيها العماد، الأمر لك، فأنقذ ما تبقى من الوطن، قبل أن يبتلعنا الطوفان.