الثورة السورية وجنيف، من منهما يحتاج الآخر؟… – عبد الغني محمد المصري

كثيرون تعلموا في المدرسة، أنه عندما تأتي لحل مسألة في الفيزياء، مثلا، فيجب اولا فهم المطلوب من السؤال، ثم بعد فهم المطلوب، يتم وضع القانون الرئيس للحل، ثم يتم وضع المعادلات المساندة التي تساعد في ايجاد المجاهيل في القانون الذي تم وضعه لحل المسألة.

وكقياس لعملية حل مسألة في الفيزياء، فإنه في الحياة أيضا، وقبل البدء بأية عملية لحل مسألة او اشكال يجب تحديد الآتي:




— ما هي المعضلة، وما هو المطلوب (الهدف)؟.

— ما هي المعادلات التي تحل المعضلة؟.

وفي الثورة السورية المشكلة هي النظام الطائفي الفاسد، والمطلوب هو اسقاط النظام، وليس اسقاط بشار ابقاء ادواته، فالمشكلة في النظام وليست في بشار، لانه يمكن ايجاد ألف ألف بشار، مع وجود مؤسسات أمنية طائفية فاسدة وجيش بقيادات طائفية فاسدة.

اما المعادلات فقد جربت الثورة احد الحلول وهو الحل السلمي، وقد استمرت مدة ستة اشهر من سلمية -كما صرح بذلك بشار- فكان من زبانية النظام ان قتلوا خلالها ستة آلاف مواطن بريء، مع ردود فعل لا مسؤولة -بشكل عملي- من قبل المجتمع الدولي بأكمله. وقد وضح تماما ان معادلات الحل السلمي لن تفضي الى حل المعادلة الرئيسة وهي اسقاط النظام، مع ملاحظة ان اسقاط النظام في تلك الفترة لم يكن يعني تماما حل جيش النظام واجهزته الامنية.

لذا، وبعد اشتداد وطأة الحل الامني الذي انتهجه النظام، فقد لجأت الثورة الى معادلات الحل العسكري. وقد ادى ذلك الى خسائر منهكة لطرفي المعادلة، لكنها ادت أيضا الى تهاوي النظام، وتكشير مسانديه الاقليميين عن براثنهم الطائفية، كما ادت الى تعرية حلفائه الاقليميين بعدائهم للاغلبية، حيث كثر الحديث عن خطورة تولي الاغلبية المسلمة لمفاصل الحكم في سوريا.

وقد ادى الحل العسكري، الى وضع مأزوم، لطرفي الصراع، حيث ان النظام، بكل ادواته والدول التي تسانده غير قادرة على الحسم العسكري، كما ان الثورة بتشتتها، وحصارها المالي والعسكري غير قادرة على الحسم أيضا، وإن كانت قادرة وبحيوية على ديمومة الاستنزاف للنظام وهو هدف رئيس لاسقاطه.

وضع كهذا، اصبح يخيف القوى الدولية من تغير خرائط القوة في المنطقة على المدى البعيد، مما حدا بها الى فرض تشكيلة في الائتلاف الوطني، تمثل في لبها، شكلا آخر من النظام، عبر تحكم الاقليات في القرارات وتحديد التوجهات. واصبح المجتمع الدولي بالترهيب والترغيب، يحاول جر الجميع الى جنيف. فما هو جنيف؟.

جنيف هي المحطة التي يريد بها المجتمع الدولي تحقيق ما صرح به روبرت فورد عند تشكيله للائتلاف، وهو تشكيل حكومة توافقية بين النظام والثورة، مع الحفاظ على الادوات الاجرامية في الدولة السورية المتمثلة في جيش النظام وامنه، ومع عدم التطرق لمصير بشار.

أية ثورة، تدرك انه في النهاية هناك طاولة مفاوضات، لكنها طاولة تحقق الادنى مما يكافئ التضحيات التي قدمتها، والمكتسبات على الارض التي تمتلكها. والحد الادنى لأي حل لا يكون إلا بتنحية بشار، وحل الاجهزة الامنية وجيش النظام.

وأما الكلام عن ايجاد حل سياسي ثم يتم التفكير بهيكلة الجيش والامن فقد يعد ذلك ضرب من الخيال، خاصة مع الهيكلية العميقة والمتجذرة للطائفية في بناء هاتين المؤسستين –إن استطعنا جدلا، أن نطلق عليهما مسمى مؤسستين-، فلو بقيت هاتان المؤسستان، مالذي يمنعهما من الانقلاب على حل اي سياسي في وقت قادم؟، وما حالة مصر، وانقلاب عسكرها على الحل السياسي ببعيدة عن المشهد، رغم ان الجيش المصري، وامنه لا تشدهما عصب طائفي لمعاداة خيارات الشعب.

وأما التخويف، بأنه اذا لم تذهب الثورة الى جنيف، فإن ذلك يعد قطعا لعلاقاتها مع المجتمع الدولي، فالعلاقات الدولية كلها قائمة على المصلحة فقط، والجميع سمع عن تنصت الحلفاء على بعضهم، كدليل على المصلحية في العلاقة. فالعرض والطلب في سوق السياسة وبضاعتها، هي المحدد لشكل العلاقات، والمجتمع الدولي يتحاج الثورة بقدر ما تحتاجه، بل قد يكون المجتمع الدولي اكثر الحاحا في حاجته إليها، لأنها ثورة حقيقية متجذرة تؤثر على خرائط تم وضعها إثر حربين عالميتين طاحنتين. ولها تأثير بعيد المدى على مصالحه كاملة في المنطقة.

اخيرا، الثورة حقيقة، ودماء، وآلام، وتضحيات جسام، وليست فيلما في استديوهات الجزيرة، او قصة تحيكها القنوات الفضائية، كما ان حاضنتها لا تحركهم دولارات دولة هنا او هناك، فهي ثورة ضد الطاغوت، قامت، وقدمت، ولم تبخل، وقد اجبرت الجميع على سماعها، وهي ماضية لن تحيد عن هدفها المتمثل بإسقاط النظام، والذي يعني ازاحة بشار، وحل اجهزته الامنية وجيشه المجرم، وكل حل غير ذلك هو ترقيع، وتسكين للنار تحت الرماد، مما قد يؤدي الى انفجار هائل بعد سنوات يفلت عن عقاله، وقت لا ينفع الندم.