وزارة الاتصالات تؤخّر عمل المحكمة الخاصة بلبنان

يدخل “التعطيل” ضمن منهجية عامة اعتمدتها قوى 8 آذار، ولا يقتصر الامر على عرقلة تأليف الحكومة، ومنع انعقاد مجلس النواب بإصرار الرئيس نبيه بري على جدول اعمال ترفضه كتل نيابية، بل ان “التيار الوطني الحر” تبنى سياسة حليفه “حزب الله” برفضه التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري والجرائم السابقة واللاحقة المرتبطة بها، او بعرقلة عملها.

وآخر ما تبيّنه وثائق سرية حصلت عليها “النهار” هو تأخير متعمد في تلبية وزارة الاتصالات طلبات المحكمة، بما يعوق عملها ويؤخرها، وبما قد يسمح بتغيير في المعطيات وتزويرها، كما قالت مصادر متابعة، نقلت عن مسؤولين في المحكمة تخوفهم من حصول اعمال مشابهة، لأنهم لا يملكون اجوبة عن الاسباب التي تدفع وزير الاتصالات نقولا صحناوي الى عدم التعاون.




و”النهار” التي تتحفظ عن نشر مضامين المذكرات المتعلقة بالحصول على حركة اتصالات اشخاص متهمين، وحركة اتصالات عدد من الارقام الثابتة والخليوية، تتبع مسار المراسلات ومضامينها.

فقد صدر عن المحكمة الخاصة بلبنان “طلب مساعدة من المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان الى الحكومة اللبنانية”، في 26 تموز 2013، وسجل في امانة سر النيابة العامة التمييزية في 30 تموز 2013، وحمل الرقم 90/م. د./2013 (الصور). وتمنى المدعي العام نورمان فاريل، الحصول على المعلومات المطلوبة بحلول التاسع عشر من آب 2013”.

وقد ارسل القاضي سمير حمود، النائب العام لدى محكمة التمييز بالانابة، طلبا عاجلا جدا وسريا الى “معالي وزير الاتصالات” في تاريخ اليوم نفسه أي في 30 تموز 2013، لكن كتاب الطلب لم يقترن بتوقيع الوزير نقولا صحناوي الا في 12 ايلول 2013، وأحيل على المديرية العامة للاستثمار والصيانة في تاريخ 17 ايلول 2013، اي بعد انقضاء شهر كامل على التاريخ المحدد للحصول على المعلومات.

وكان المدعي أرسل طلبا مماثلا في يوم سابق، اي في 25 تموز، يسأل فيه عن حركة الاتصالات بين لبنان وسوريا والرمز 02 من لبنان، و06 من سوريا، و”الفترة الزمنية التي كان في خلالها من الممكن استعمال هذه الرموز القصيرة”. واذ حدد 19 آب موعدا للحصول على المعلومات، لاقى الطلب المصير نفسه، وسجل في امانة سر هيئة اوجيرو في 18 ايلول 2013.

واذا كانت هيئة اوجيرو تحتاج الى ايام لمراجعة الطلبات و”انفاذ ما هو مطلوب” وفق كتاب الوزير صحناوي فذلك يعني حكما ان المحكمة لم تتبلغ بعد المعلومات، مما يعني تأخيرا في عملها.

و”طلبات المساعدة” المقدمة تخضع للقواعد 16 و20 و61 من الاجراءات والادلة التابعة للمحكمة الخاصة بلبنان ومذكرة التفاهم الموقعة بين الحكومة اللبنانية ومكتب المدعي العام في المحكمة.

وقد سألت “النهار” النقيب السابق للمحامين في بيروت ميشال ليان عن الاثر القانوني لهذا التأخير، وهل يتحمل لبنان تبعات عدم التعاون؟ فأجاب: “ان الدولة اللبنانية ملزمة من الناحية المبدئية التجاوب مع اجهزة المحكمة الخاصة بلبنان ذات الطابع الدولي في كل اقسامها. فقرار مجلس الامن الذي انشأها والنظام الاساسي وقواعد الاجراءات والاثبات، اضافة الى الاتفاقات الموقعة بين الدولة اللبنانية ومكتب المدعي العام ومكتب الدفاع وقلم المحكمة في شأن عمل مكتبها في لبنان، كلها اتفاقات صادرة عن مجلس الوزراء اللبناني، وتقضي بوجوب التجاوب الكلي والسريع مع طلبات المحكمة. انما ما نلاحظه منذ اكثر من سنتين، اي منذ قيام حكومة الرئيس ميقاتي انه يجري التباطؤ في الاجابة عن طلبات المحكمة لكل اجهزتها، اضافة الى المماطلة ايضا في دفع ما يتوجب على الدولة اللبنانية من مصاريف المحكمة، وكل ذلك لاسباب واهية يدلى بها، تارة لكون الحكومة مستقيلة وطورا تسدد هذه النفقات بقرارات يتخذها الرئيس ميقاتي من دون الرجوع الى مجلس الوزراء. واكثر ما يتجلى التباطؤ وعدم التجاوب مع المحكمة في الطلبات المتعلقة بوزارة الاتصالات او وزارة الداخلية، حتى لا نتطرق ايضا الى تصرفات الاجهزة العدلية، بمعنى ان مكتب النائب العام التمييزي ملزم تقديم تقرير شهري عن الطلبات الموجهة اليه، وان تجاوب فبالشكل من دون المضمون، وخصوصا في شأن توقيف المتهمين الاربعة في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري”.

وهل من مهل محددة لتسليم الطلبات؟ اجاب: “اقول انه عند انشاء المحكمة الخاصة بلبنان، كنا مهللين للفرادة التي تميزت بها هذه المحكمة عن باقي المحاكم الدولية الخاصة، فقد اقر في محكمة لبنان امران مهمان هما انشاء مكتب دفاع مستقل ومبدأ المحاكمة الغيابية. انما هذان الامران كانا سببا للبطء في اعمال المحكمة، نظرا الى الطلبات التي ترد من مكتبي المدعي العام والدفاع، اضافة الى ان عمل المحاكم الدولية مشوب دائما بالبطء لان الاجراءات المفروضة تلزم بهذه المماطلة التي نشكو منها حاليا، في ما يختص بالمحكمة الخاصة بلبنان.

ومن ميزاتها انها اعتمدت روح القانون اللبناني مع بعض نصوص القانون الانغلوسكسوني. وفي قانوننا كما في القوانين الأنغلوسكسونية، قضايا وامور محددة بمهل معينة، كما ان هناك قضايا وامورا اخرى غير محددة بمهل، انما هي متروكة لمراقبة القضاء من جهة، ولمبدأ افتراض حسن النية عند الافرقاء من جهة اخرى. اما بالنسبة الى قواعد الاجراءات والاثبات المعتمدة في المحكمة، فلم تحدد مهلا لكثير من القضايا، وفي عدادها الطلبات الموجهة الى الدولة اللبنانية. والمؤسف ان المسؤولين في الدولة يعمدون الى عدم التجاوب مع طلبات المحكمة لانهم في الاساس كانوا ضد انشائها، وهمهم عرقلة اعمالها والحؤول دون وصولها الى الحقيقة.

ولكن حتى لو ان القوانين لم تحدد مهلا، لا يجوز لـ”دولتنا الموقرة” الا تفي بالتزاماتها حيال المجتمع الدولي الممثل بمنظمة الامم المتحدة واجهزتها، وخصوصا قرارات مجلس الامن، لان هذه المنظمة الدولية هي وحدها سندنا وعضدنا في المحن التي نمر بها، ورئيس جمهوريتنا اليوم في نيويورك مع شكوى لبنان مما يجري فيه وحوله، والطلب من المجموعة الدولية مساعدتنا معنويا وماديا لتجاوز كل الاخطار المحدقة بنا، فلا يجوز للبنان، الوطن الصغير بمساحته والكبير بدوره، ان يتجاهل القرارات الدولية ويلجأ في الوقت ذاته الى المحافل الدولية عينها للشكوى وطلب المساعدة في درء الاخطار”.

وهل من عقوبات يمكن ان تفرض على لبنان في حال عدم التجاوب في تلبية الطلبات وضمن المهل المعقولة؟ اجاب ليان: “لا عقوبات في القوانين المعمول بها، انما هناك هاوية مميتة للدولة اللبنانية، هي ان تقع في عداد الدول المارقة وغير المستحب التعامل معها على كل الصعد المالية والاقتصادية والقانونية. لذا على الدولة ان تفي بكل التزاماتها حفاظا على سمعة لبنان ودوره في المجتمع الدولي، لكي يبقى وطنا محترما وارضا للتفاعل في حوار الحضارات والثقافات, وجسر تواصل بين الشرق والغرب”.