مصر…عودة الفلول؟

د أحمد الشامي – باريس

بعد المذبحة التي اقترفها الجيش المصري في الرابع عشر من آب الماضي، اتصل الرئيس “اوباما” بالفريق “السيسي” ليطلب منه التنحي، كما فعل مع الرئيس “حسني مبارك” في شباط 2011 حين فرض عليه أن يتلو بيان استقالته عبر اللواء “عمر سليمان”. بحسب مصادر “ديبكا فايل” فالفريق “السيسي” رفض تلقي المخابرة وأبلغ المتحدث من البيت اﻷبيض أن ” البروتوكول يقتضي مخاطبة الرئيس المصري المؤقت، عدلي منصور، وليس الفريق السيسي…”.




اﻷمريكيون أقفلوا الخط واستشاط السيد “اوباما” غضباً لكن دون أن يستطيع فعل شيء ولاحتى قطع المعونة العسكرية عن الجيش المصري.

السيد “اوباما” لم يغضب لسفك دماء المصريين، فهذا اﻷمر لا أهمية له لديه، لكنه غضب ﻷنه أدرك أن استراتيجيته في “بيع الكلام” والمواقف وفي “القيادة من الخلف” قد وصلت ٳلى طريق مسدود. كان السيد  “اوباما” يرغب في أن يقول “لقد خاطبت السيد السيسي وطلبت منه التنحي” ثم يخرس كعادته عن الكلام المباح بعدما يكون قد “قام بالواجب اﻹنساني واﻷخلاقي” المناط بالقوة اﻷعظم.

كيف وصلت اﻷمور ٳلى هذا المستوى ومالذي يجعل جنرالاً كان مغموراً حتى بضعة أشهر يقفل الخط في وجه قاطن البيت اﻷبيض؟

الصفعة التي تلقاها الرئيس اﻷسمر تندرج في ٳطار الازدراء الذي تحظى به اﻹدارة اﻷمريكية الحالية في ظل رئيس متردد وضعيف، لكن هذا وحده لايكفي لتفسير نشوة القوة التي انتابت عسكر مصر.

السياسة اﻷمريكية الانعزالية التي يتبناها الأمريكيون تقوم على تلزيم الشرق اﻷوسط لقوى محلية قادرة على أن تكون حليفاً لهم في صراعهم مع محور الشر. من هنا يعتبر اﻷمريكيون، المهتمين حصراً بمصالحهم، أن صعود اﻹسلام اﻹخواني سيكون، في النهاية، في مصلحتهم الاستراتيجية حتى لو أدت السياسات اﻹخوانية لتكبيل مجتمعاتها وٳلى كبح فرصها في الارتقاء والحداثة.

المشكلة هي أن اﻹخوان قد نجحوا في تأليب الصفوف ضدهم داخل وخارج مصر بفضل السياسة الخرقاء والارتجالية للسيد “مرسي” الذي تصرف كالخميني العائد ظافراً ٳلى طهران عام 1978 وليس كرئيس يضمد جراح المصريين. الرئيس “مرسي” أدرك ربما أن الصدام بين اﻹخوان وبين المؤسسة العسكرية هو صدام محتم وأن لا ديمقراطية ناجزة ممكنة في مصر دون ٳخضاع الجيش المصري للسلطة التنفيذية لكنه تسرع في مواجهة خاسرة سلفاً.

السيد “مرسي” لم ير ولم يتوقع الفخ الذي نصبه له العسكريون حتى قبل انتخابه..

الملفت للنظر في انقلاب الثالث من تموز هما السلاسة والسهولة التي تم بهما الانقلاب بما يدل على ٳمساك الانقلابيين سلفاً بمفاصل السلطة، ثم التصميم والدموية الفائقة اللذان أظهرهما العسكر في مواجهة المحتجين وهو مالا يتناسب مع ادعاءات الجيش أنه “تحرك لمنع انزلاق البلاد ٳلى مستنقع دموي ودفاعاً عن الديمقراطية”. هذان العاملان يدفعان للاعتقاد أن “الفلول” لم تغادر السلطة في مصر ولو للحظة وأن الجيش المصري تصرف ككل الجيوش “الوطنية” العربية، كجيش احتلال داخلي يدافع عن امتيازاته.

هل بدأت المؤسسة العسكرية المصرية الٳعداد لتسلم السلطة حتى قبل اﻹطاحة بحسني مبارك؟

لنتذكر السهولة التي طرد بها العسكريون الرئيس الخرف بعدما رفضوا الانصياع ﻷوامره بقمع الاحتجاجات ولنقارن موقفهم يومها بدمويتهم اليوم.
يبدو أن الجيش المصري ركب موجة “الربيع العربي” ﻹسقاط مشروع “التوريث” ﻷن وصول “جمال مبارك” ٳلى الحكم كان سيعني أن “الحيتان” المحيطة بالرجل لن تترك الكعكة الاقتصادية التي ينهبها العسكر وستشاركهم فيها. الجيش المصري المتورم والاخطبوطي كان سيعاني من فقد الكثير من امتيازاته في حال وصل “المدنيون” مع جمال مبارك ٳلى الحكم.

بعد خلع مبارك وطرد “عمر سليمان” تسلم العسكريون السلطة، لكنهم فوجئوا برفض الشارع المصري لهم وبٳصرار كافة أطياف الشعب على عدم العودة ٳلى النموذج الناصري الفاشل. كان لابد ٳذا من “خطة باء”.

اضطر العسكريون تحت ضغط الشارع والعالم الخارجي ٳلى ٳجراء انتخابات، فاز فيها، بحسب البعض، السيد “أحمد شفيق”…. المشكلة أن فوز السيد “شفيق” كان  سيعطي الرجل مشروعية وقوة سياسية مع حكمة ورصانة بما يسمح بانتقال سياسي سلس وسوف تؤدي هذه العوامل في النهاية ٳلى تحجيم دور العسكر الراغبين في التهام كعكة السلطة.

السيد “مرسي” كانت لديه كل المؤهلات “السلبية” اللازمة من وجهة نظر المؤسسة العسكرية، فالرجل عنيد وقصير النظر وهو مزاجي ومغرور، ثم ٳنه رشح نفسه رغم تعهد اﻹخوان بعدم الترشح، فلماذا لايصل هذا الرجل ٳلى الرئاسة؟ اﻷكيد أنه وبصفاته هذه سوف يقوم بتأليب الملايين من المصريين ضده وهذه المرة سيكون جزء كبير من الشارع المصري سعيداً بتدخل الجيش وبتسلمه السلطة.

لم يرتكب العسكريون الخطأ الجزائري بٳلغاء الانتخابات فور فوز الاسلاميين بها، بل تركوهم يغرقون بالتدريج في مستنقع الفشل.

السيد “مرسي” أبلى بلاء حسنا وكان عند “حسن” ظن العسكريين به فهو لم يترك خطأ ٳلا وارتكبه، من “فبركة” دستور على مقاس الجماعة، ٳلى “أخونة” الدولة مروراً بسياسات ارتجالية وغوغائية.

حين قرر السيد “مرسي” ٳحالة المشير “الطنطاوي” والفريق “عنان” على التقاعد وقرر تسمية الفريق “السيسي” قائداً للجيش، اعتقد بسذاجة أن “السيسي” سوف يكون “رجله” وأنه قد تخلص من “العسكر”. لم يتعظ السيد “مرسي” من تجربة السيد “اربكان” مع الجيش التركي ولم يدرك أن المؤسسة العسكرية هي التي تجابهه وليس فقط ” الطنطاوي ” و”عنان”.

السيد “مرسي” قام بتسهيل المهمة على الجيش المصري حين تقرب من ٳيران ومن “محور الشر” فأغضب أقوى جارين لمصر، ٳسرائيل والسعودية وهنا كان مقتله. الرجل ظن أن تقربه من ٳيران سوف يكون عوناً له. قلة خبرة الرجل في السياسة الخارجية جعلته يظن أن الولي الفقيه في”ٳيران” الشيعية سوف يكون مسروراً حين يقوم حكم “سني” في مصر يعتمد على “المرشد الفقيه”.

اﻹيرانيون كانت لهم وجهة نظر مختلفة، فقد استفادوا من انبطاح السيد “مرسي” أمامهم لتمرير سفن السلاح ٳلى عميلهم اﻷسدي دون أن يقدموا معونات مالية تعوض عن الاستثمارات الخليجية.

انتهى اﻷمر بالسيد “مرسي”واﻹخوان ٳلى الوصول ٳلى حيث كان الجيش يريد لهم أن يصلوا، خسارة قطاع واسع من الجماهير المصرية وتأليب الجيران ضدهم. لم يبق سوى ٳطلاق رصاصة الرحمة على تجربة اﻹخوان الفاشلة في الحكم.

في النهاية، تصرف الجيش المصري في الثالث من تموز كمؤسسة راسخة تعتبر نفسها وصياً على البلد وعلى الشعب وهذا هو تعريف “الانقلاب”.

المشكلة هي في ماحدث في الرابع عشر من آب حين انتقل الجيش المصري من دور “الوصي” الممكن قبوله ولو على مضض، ٳلى دور “القاتل” والمرفوض أياً تكن اﻷسباب.

رفض الفريق “السيسي” تلقي مخابرة السيد “اوباما” يدل على أن الرجل لاينوي الخروج من الحلبة السياسية سريعاً وأنه قد نسج شبكة من العلاقات والمصالح مع أطراف مؤثرة ٳقليمياً في ٳطار استراتيجية تتبناها المؤسسة العسكرية المصرية.

ٳن صحت هذه الاستنتاجات يكون السيد “مرسي” واﻹخوان قد وقعوا، بسبب عنادهم وقصر نظرهم، في فخ منصوب لهم بٳحكام. النتيجة اﻷخرى هي أن من لديه القوة الضاربة على اﻷرض ويحظى بدعم جيرانه، خاصة السعودية وٳسرائيل، سوف يكون قادراً على ٳغلاق الخط بوجه السيد “اوباما” وغيره…