مأزق «الإخوان» – عبدالله إسكندر – الحياة

تتعامل السلطات المصرية مع محاولة اغتيال وزير الداخلية على انها بداية لمرحلة جديدة من المواجهة مع جماعة «الإخوان المسلمين». وقد لا تكون المحاولة مجرد دافع لدى السلطات لتشديد الاجراءات الامنية وتوسيع احكام حال الطوارئ لمواجهة الارهاب الذي بدأ يضرب في قلب العاصمة فحسب، وانما قد تكون اغراء من اجل محاصرة «الإخوان» وحلفائهم، وصولاً الى قرار منعهم من العمل السياسي.

ولا تعوز السلطات الحجج الامنية في مثل هذا الاتجاه، بعدما ترافق العنف الذي تشهده تظاهرات «الإخوان» في مدن كثيرة مع الارهاب المسلح في سيناء. على نحو بات الربط، في الاعلام المصري على الاقل، قائماً بين الظاهرتين على نحو يضع «الإخوان» والجماعات الاسلامية المتشددة والارهاب المسلح في موقع واحد.




ومثل هذا الربط يسّهل كثيراً على السلطات المصرية التصدي لمعارضة «الاخوان»، وحلفائهم، للحكم الانتقالي وخريطة الطريق السياسية التي وضعها، بعدما باتت المطالبة بعودة محمد مرسي الى الحكم مستحيلة.

يجتهد الكثيرون في مصر، من انصار الحكم الجديد، من اجل اظهار الجوهر العنيف لدى جماعة «الإخوان»، والجماعات الاخرى التي انبثقت عنها، منذ مرحلة التأسيس مروراً بتجارب كثيرة، في العهدين الملكي والجمهوري، وصولاً الى الوضع الراهن. ويلاحظ هؤلاء انه في كل تلك المراحل، كان لدى «الاخوان» تنظيم خاص ينفذ اعمال عنف تستهدف الحكم والخصوم السياسيين، ولم تكن مقنعة تصريحات النفي من قيادة الجماعة للعلاقة مع العنف وتنظيماته وتأكيداتها على النهج السلمي والدعوي لعملها.

وكما في كل المراحل السابقة، لا يبدو ان نفي قيادات في «الاخوان» للعلاقة بمحاولة اغتيال وزير الداخلية واستنكارها للحادث ترك اي تأثير سياسي. لا بل كانت المحاولة والنفي مناسبة لحملة واسعة على «الاخوان» وتاريخهم وعلاقاتهم مع تنظيمات او مجموعات تعلن تبنيها العنف والارهاب نهجاً في العمل السياسي. ليواجه «الاخوان» حالياً مرحلة من الاصعب في تاريخهم، تفوق في صعوبتها مرحلة المواجهة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

كانت تواجه قيادة «الإخوان»، لدى الاصطدام مع السلطة الحاكمة في المراحل السابقة، خيار دخول السجن او الهروب واللجوء الى الخارج. وفي الحالين لم تكن مضطرة الى اعادة نظر جذرية في ايديولوجيتها وعملها. اما اليوم فإنها تواجه خياراً مصيرياً، يتعلق بمستقبلها كجماعة سياسية في النسيج الوطني المصري او كتنظيم انحاز الى خيار العنف واستغلال الفوضى الامنية والمأزق السياسي للسلطة من اجل فرض نفسه في هذا النسيج.

من الواضح، حتى الآن، ان القيادة الحالية لـ «الجماعة» لا تزال تحت وطأة طردها من الحكم وانهاء مشروعها السياسي عنوة. وتبدو غير قادرة على استيعاب معنى المعارضة الشعبية الواسعة التي واجهتها عندما كانت في الحكم، ومعنى رغبة غالبية المصريين في استعادة الهدوء والعودة الى حياة طبيعية. ويبدو ايضاً ان هذه القيادة غير قادرة على قراءة اخطائها، لا بل تعمّق مضاعفات هذه الاخطاء لاعتبارها ان الاستمرار في التظاهر والاعتراض وحده يعيدها الى الحكم او آلة المشاركة فيه على اقل تقدير. فتغرق أكثر فأكثر في التجاور مع العنف والاعمال الارهابية، ما يخرجها أكثر فأكثر من النسيج السياسي الوطني ويضعها في خانة التنظيمات المتشددة والارهابية.

بالتأكيد مثل هذا الوضع يضع مصر امام مستقبل صعب جداً وربما حرب أهلية تتجمع نذرها في اصرار الجماعة على التظاهرات العنيفة في الشوارع، لكنه في الوقت نفسه يجعل من شبه المستحيل تكرار تجربة وصول «إخواني» الى الرئاسة عبر الانتخابات.

وسيستمر هذا المأزق «الإخواني» ما دامت القيادة الحالية مستمرة في نهجها وفهماً للمرحلة، وما لم تقدم على اعادة قراءة تجربة الجماعة كاملة بكل شفافية، وعلى اصلاح نفسها من الداخل على اسس ديمواقراطية واعادة النظر في مشروعها السياسي على قاعدة العمل السلمي والعلني ونبذ كل انواع العنف والاكراه.