عدنان منصور أحرج رئيسي الجمهورية والحكومة

تتعمم في الاوساط السياسية اللبنانية مقاربة واقعية لما يجري في المنطقة ـ وتحديدا على الساحة السورية ـ ترتكز على مسلمات فيها شيء من المراعاة للمصلحة الوطنية العليا، وتحديدا السير بين نقاط التوتر كي لا تنفجر الاوضاع، ويدفع لبنان ثمن الصراع الكبير من طبق مائدته الصغيرة.

وعلى هذه العناوين تتقاطع مجموعة من المواقف التي أطلقت اخيرا، اهمها خطابا رئيس الجمهورية في بعبدا وبيت الدين، ومبادرة الرئيس نبيه بري في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر، وخطاب رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع في ذكرى شهداء القوات، ومداخلة الرئيس سعد الحريري في عيد الفطر، وخطاب رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط في عاليه، وفي مجمل هذه الاعلانات تأكيد على اهمية الوحدة الوطنية، وضرورة تحييد لبنان عن الانفجار المقبل، خصوصا في ظل القرار الاميركي والغربي بضرب مواقع للنظام السوري بعد ان تأكد استخدامه للأسلحة الكيميائية.




ديبلوماسية تدوير الزوايا عند معظم المسؤولين اللبنانيين خوفا من مخاطر المرحلة، قابلتها مواقف غريبة لرئيس الديبلوماسية اللبنانية وزير الخارجية عدنان منصور في اتصالاته المتواصلة مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم، وفي تحويل مقر وزارة الخارجية الى منبر مفتوح لسفير النظام السوري وللسفير الايراني دون غيرهما، حتى خلت صالونات قصر بسترس من اي زائر آخر غيرهما، في سابقة قلما حصلت في وزارة الخارجية قبل ذلك، حتى ان الاحتجاج الرسمي الذي قدمته السفارة السعودية للوزير عدنان منصور بخصوص تفتيش سيارة السفارة من قبل عناصر من حزب الله، لم يلق اي اهتمام، ولم يكلف الوزير نفسه بالتحقيق في الامر، او تقديم اعتذار رسمي، من سفارة دولة عربية شقيقة، يعيش من عائدات العمل على اراضيها ربع اللبنانيين.

اكثر ما احرج المسؤولين في بيروت من تصرفات وزير الخارجية كان موقفه في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية الذي عقد في القاهرة مطلع الشهر الجاري، فالتصريحات التي ادلى بها فيما يتعلق بالاحداث في سورية لا تنسجم مع التوجهات المركزية في تحييد لبنان، ولا تلتزم بتأكيدات رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي على نهج النأي بالنفس عن الاحداث في سورية، وفقا لقرار رسمي اتخذته الحكومة منذ بداية هذه الاحداث، اما لجوء الوزير منصور للتحفظ على كامل قرارات مجلس الجامعة العربية من دون غيره من وزراء الخارجية الآخرين ـ بمن فيهم الوزير الجزائري والوزير العراقي ـ فكان موقفا قاسيا لا يراعي الخصوصية اللبنانية، ولا يحترم قواعد الحفاظ على مصالح اللبنانيين المنتشرين على امتداد مساحة الدول العربية المؤيدة للقرار، لاسيما منها الدول الخليجية، ولم يكن في قراره اي انسجام مع سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها الحكومة.

شكلت هذه المواقف للوزير منصور احراجا لقادة الدولة، الذين يراعون كون الوزير منصور يتعاطف مع حزب الله والنظام السوري ـ خصوصا رئيسي الجمهورية والحكومة ـ لكن هذا التعاطف يجب الا يتمدد ليصل الى حد استخدام مرافق الدولة لخدمة مصلحة حزبية، لا يؤيدها معظم اللبنانيين، والعلاقات الخارجية اكثر الملفات حساسية لدولة مثل لبنان، فيها تنوع سياسي وطائفي ومذهبي، فرضت عليه الاحداث السورية وتدخل حزب الله العسكري تباعدا كبيرا، يحتاج الى عناية كبيرة، كي لا يتحول هذا التباعد الى انفجار.

وسياسة النأي بالنفس تعني الابتعاد عن كل ما يتعلق بالموضوع، وتجنب الخوض فيه، لا من قريب ولا من بعيد، ولا يمكن لهذا المقاربة ان تكون تصويتا، مع او ضد، او تحفظ، والتحفظ الذي سجله الوزير منصور على قرارات مجلس الجامعة، مخالفة واضحة لقرارات الحكومة الميقاتية، والاعتبارات القانونية تلزم الوزير الذي يمثل لبنان بان يتقيد بسياسة الدولة، وهذا ما لم يراعه منصور، وفقا للاوساط المتابعة.

وسياسة النأي بالنفس عما يجري في سورية، تلزم الوزير بالتعاطي المتوازن مع اطراف الازمة، وهذا ما لا يعيره منصور اي اهتمام، ففي الوقت الذي يتواصل يوميا مع النظام السوري، ومسؤوليه ذوي الصلة، ومع حلفائه، لم يسجل اي تواصل مع قوى المعارضة، ولم يستقبل ايا منهم على مدى السنتين الماضيتين.

مراجع محايدة ترى ان استمرار نهج منصور على هذه الوتيرة سيعرض مصالح اللبنانيين الى اخطار غير محسوبة، وسيضر بسمعة لبنان على المستويين العربي والدولي، لاسيما ان هذه الدول لا تستطيع ان تتجاهل قواعد القانون الدولي العام التي تلزمها بالتعاطي مع المراجع الرسمية في الدولة، خصوصا وزارة الخارجية.

والامتعاض من منصور لا يعني ان المراجع القيادية والمحايدة تؤيد الضربة العسكرية الدولية للنظام السوري، بل العكس تماما فإن هذه الاوساط تحذر من اخطار هذه الضربة التي ان حصلت فقد تفتح ابوابا جديدة على المجهول، لاسيما بعد ان اكد المسؤولون الاميركيون والفرنسيون ان الهجمات لن تستهدف اسقاط الاسد.

الأنباء الكويتية