طريق الموت إلى أستراليا… عكار مفجوعة

في كل اسبوع تسلك عبارة الموت الطريق نفسها من اندونيسيا في اتجاه استراليا. من مرفأ صيد بيلابوهان راتو في منطقة سوكابومي الاندونيسية الى جزيرة كريسماس الأسترالية. الوجهة هي نفسها، لكن الركاب يتغيّرون والنهاية تختلف، والعبارة تتغير في حال غرقت.

الهجرة الى استراليا ليست جديدة، انما الجديد هو الطريقة التي اعتمدت بعدما تشددت الحكومة الاسترالية في اجراءات الموافقة على اعطاء تأشيرات الدخول اليها. فكان البحر الوسيلة الاسرع للوصول الى “الارض-الجديدة” عبر عبارات قديمة في رحلة محفوفة بالأخطار كي لا يتم لفت النظر، بحسب المهربين.




والقسم الأكبر من الهجرة الآسيوية في اتجاه استراليا هو من الدول المجاورة التي تعاني الفقر والحروب، أندونيسيا، تايلاند، بنغلادش، الهند، الباكستان، أفغانستان، وأخيراً من العراق، حيث يشكّل العراقيون اليوم النسبة الأكبر من المهاجرين غير الشرعيين الى أستراليا، ويليهم الأفغان ودول الهند الصينية.

وروى  أحمد محمد درويش، رئيس بلدية قرية “قبعيت” في قضاء عكار أن العراقي “أبو صالح” تقاضى من اللبنانيين بين 8 و10 آلاف دولار لينقلهم من بيروت بالطائرة عبر دبي إلى إندونيسيا، ومنها بمركبه الذي كان على متنه أكثر من 80 راكباً من جنسيات متنوعة، متعهداً بنقل الجميع تسللاً إلى أستراليا كمهاجرين غير شرعيين، “وقد اعتقلته السلطات الإندونيسية اليوم بعد غرق المركب” كما قال.

وزود رئيس البلدية “العربية” برقم هاتف اتصل منه واحد من 6 ناجين لبنانيين، وهو إبراهيم عبدالوهاب عمر، وهو هاتف نقال أجرى منه اتصالاً بوالده في قرية “قبعيت” ليخبره بنجاته وغرق خطيبته منال، وإلى ذلك الهاتف اتصلت “العربية.نت” لكن أحداً لم يرد من الجانب الآخر.

كما لم يجب أحد من سفارة لبنان في جاكرتا على اتصال أجرته “العربية” لتحصل من السفير أو أحد الموظفين على مزيد من المعلومات، لأن الوقت كان ليلاً بالعاصمة الإندونيسية، لكن “العربية.نت” وجدت في وكالة أنباء “أنتارا” الإندونيسية إشارة إلى أنه تم العثور على 17 جثة حملتها التيارات إلى الساحل الإندونيسي.

ووحدها صحيفة “سيدني مورنيغ هيرالد” الأسترالية أتت على ذكر ما حدث في موقعها الإلكتروني الجمعة، لكن من معرض تطرقها للهجرة غير الشرعية، فقالت إن سفينة أسترالية كانت مبحرة قرب المياه الإقليمية الإندونيسية وتسلمت إشعاراً ليل الخميس بأن مركب صيادين كان في حالة غرق وعليه ركاب، فاستطاعت إنقاذ 44 راكباً، بينهم 39 رجلاً وامرأة واحدة والبقية أطفال، ممن كاد البحر الإندونيسي يبتلعهم.

الهجرة غير الشرعية من لبنان الى استراليا ليست جديدة، ورحلة الموت التي ركبها اهالي بقعيت ومشمش وغيرها من البلدات العكارية لم تكن الاولى من نوعها. ففي بقعيت من يروي ان عدداً من ابناء البلدة كانوا قد اعتمدوا الوسيلة نفسها عبر مهربين للالتحاق باقارب لهم في استراليا، حيث يعولون على الوصول اليها وتقديم طلبات لم الشمل بعد تعذر الحصول على التأشيرات من السفارة. الا ان هذه المرة لم تجر الرياح كما تشتهي سفن الهاربين من الفقر والبطالة والحرمان، فدفعوا ثمناً باهظاً من اجل تحقيق حلم مفترض ضاع في عمق مياه المحيط الغاضبة.

القائمة بالأعمال في اندونيسيا جوانا قزي قالت لـ”النهار” ان “هذه الرحلة التي راح ضحيتها لبنانيون تنظم اسبوعياً، حيث يقوم قارب بنقل عدد كبير من المهاجرين من اندونيسيا الى استراليا وهذه القضية مطروحة بشكل قوي بين استراليا واندونيسيا والبلدان التي يأتي منها المهاجرون مثل باكستان وسري لانكا وايران”، مضيفة ان “اندونيسيا توقفت عن اعطاء تاشيرات دخول للايرانيين عن المطار لأن الايرانيين كانوا يدخلون الى اندونيسيا ويأخذون القوارب في اتجاه استراليا”.

ومن جهة اخرى، قالت مصادر امنية لـ”النهار” ان “خروج المهاجرين الذين ربما قضوا في غرق العبارة قانوني لأن معظمهم قد خرجوا بصورة قانونية عبر المطار وبجواز سفر لبناني، الا ان انتقالهم من اندونيسيا في اتجاه استراليا لم تتضح طبيعته بعد، وذلك يترك للتحقيق الذي ستجريه السلطات الاندونيسية التي ستنسق مع لبنان من خلال السفارة اللبنانية والامن العام اللبناني”.

وعن ضبط الهجرة غير الشرعية، اشار المصدر الى “انه من الصعب ضبط هذه الهجرة في لبنان لأن المهاجر اولا يخرج بصورة شرعية من لبنان، لكنها تصبح غير شرعية عندما يصل الى البلد وينتقل منه الى البلد المنشود”. واوضح ان “ضبط المهربين صعب جدا لأن احداً لا يبلغ عن المهرب، فهو بحاجة اليه ليخرج من البلاد، وحتى عندما يعتقل الهارب خلال عملية التهريب ويتم التحقيق معه لا يشي بالجهة المهربة بل يكتفي في كثير من الاحيان بالقول انه قام بتزوير اوراقه للهروب الى بلد جديد بحثاً عن حياة افضل، كما يجري الآن في لبنان عندما يتم ضبط عدد من السوريين الذين يريدون الهروب من الازمة السورية، فيدفعون ثمناً باهظاً مقابل جوازات سفر مزورة، وعندما يضبطون لا يقرون باسم المزور مشيرين الى انهم قاموا بذلك بهدف الخلاص من العنف والموت”.

وارتفع عدد الضحايا اللبنانيين، من بلدة قبعيت في عكار الذين قضوا غرقا اثناء انتقالهم من اندونيسيا الى استراليا، الى 17 شخصاً بينهم ثمانية من عائلة واحدة.

وعرف من الضحايا: عائلة حسين خضر بأكملها التي تضم تسعة أشخاص والتي نجا من بينهم الزوج فقط، وهم: كوثر الزوجة، والأبناء ريم، وفاء، رواء، رنا، ملاك، مريم، علي واحمد، وعائلة اسعد علي اسعد الذي نجا فيما توفي كل من زوجته ريا وأبناؤه الاطفال تانيا، مايا وعلي، اضافة الى وفاة منال علي حمزة، محمد جديد وبسام وابتسام عثمان.

النهار، الجديد, العربية