سوريا في قلب العاصفة – عبد الله بن بجاد العتيبي – الشرق الأوسط

ليست اللحظات الهادئة هي التي تحكم مصير الدول والعالم فحسب، بل اللحظات المضطربة كذلك، وكلما ازداد الاضطراب زادت الحاجة للعقل ورجاحته وللمستقبل ومحاولة استشرافه.

إن الحرب أيا كان حجمها كريهة، وقد سمّت العرب أيام الحرب «يوم الكريهة»، لكنها تكون أحيانا ضرورة لا بد منها، وبخاصة في مثل المأساة السورية حيث إنها أفضل بكثير من نظام لا مثيل له في هذا القرن.. نظام يقتل شعبه بكل أنواع الأسلحة الفتاكة ومنها أسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيماوية التي تحرمها القوانين الدولية والأديان وتأباها النفوس السلمية.




طبول الحرب تقرع بشدة في سوريا، وتبقى ساعة الصفر هي الفيصل بين مرحلة ومرحلة. ستكون الضربة العسكرية لنظام الأسد قاصمة، وهذا ما تقتضيه ضرورة الحرب بحيث يجري شل النظام عن أي قدرة على الرد قد تؤذي بعض دول المنطقة وبخاصة بعد ما جاء في وسائل الإعلام من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما سيسعى لتوسيع الضربة ويزيد من عدد الأهداف، وهو بحصوله على تأييد الكونغرس – فيما لو جرى – سيكون مطلق الصلاحية لتنفيذ ضربة ذات فعالية وليست محدودة ومحددة كما هي العبارات سابقا، أو كما عبرت سامانثا باور مساء يوم الجمعة الماضي بأنها ستكون «سريعة ومعقولة ومتوازنة».

النفوس تكره الحروب، وحين بدء الضربة سيعلو النواح، وتقام المآتم، ويلطم الكثيرون، وهو أمر طبيعي لكنه لا ينبغي أن يلغي دور العقل في الحكم الهادئ، فالحرب ليست رحلة سياحية بحال، والخيارات المطروحة أمام الجميع ليست تفاضل بين حسن وسيئ أو بين خير وشر، فالسياسة ليست كذلك، والحروب مثلها، وإنما المفاضلة بين أقل الشرين أثرا ودمارا على واقع ومستقبل سوريا، وهو في هذه الحالة يكمن في إنفاذ ضربة تنهي نظام الأسد.

أشار كاتب هذه السطور في مقالة تلت مجزرة الغوطة الشرقية التي استخدمت فيها الأسلحة الكيماوية بأن الولايات المتحدة والرئيس أوباما سيدفعون ثمنا غاليا إن تركوا الأسد ينجو بفعلته، وسيفتحون الباب واسعا لتصنيع واستخدام هذا النوع من الأسلحة في النزاعات المحلية أو الإقليمية أو الدولية، وهو ما يبدو أنه قد دفع المجتمع الدولي للتحرك، ومن يراقب سلوك أوباما المتردد فإنه لا يستطيع الجزم بأنه سيخوض هذه الحرب أو سينفذ هذه الضربة حتى تحدث فعلا.

إنها فكرة مخيفة فعلا، حتى بالنسبة لروسيا، فتمرير أو تبرير استخدام الأسلحة الكيماوية سيكون خطرا على العالم بأسره، وخطرا على كل الاتفاقات الدولية التي صنعت العالم بمواضعاته الدولية اليوم، ولو تم تمريره تحت أي مبرر فلن تعيش دولة بأمان بعد الآن، ذلك أن النتيجة أن يصبح العالم مستباحا أمام هذا النوع من الأسلحة، ولئن كان الإرهاب خطرا حقيقيا في العقود الماضية فسيصبح أكبر خطورة حين يمرر هذا الاستخدام الشائن للأسلحة الكيماوية.

إن مصالح الدول ليست ألعوبة لأحد، وهي تتحرك لمدها وتوسعتها وصد كل ما يعترض ذلك، وحسابات الاقتصاد والأرباح والخسائر المادية قد لا تتفق مع حسابات السياسة التي تعتمد على رؤى أوسع وخيارات أرحب.

نعم، قد يحتمي أوباما باختياره بقرار الكونغرس، لكنه ربما سيصل لفعل ما يجب فعله، وإن كان سيصل لذلك باعتباره ضعيفا يحتمي بغيره وليس قائدا يفتخر بنفسه.

بعد نهاية الحرب العالمية الباردة بانهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات حدثت مآس ونكبات وصراعات سياسية واستراتيجية وصلت لمستوى الحرب والتدخل العسكري، فعلت ذلك الولايات المتحدة الأميركية في البوسنة والهرسك، وفعلته روسيا الاتحادية في جورجيا والشيشان، فحين تتعرض المصالح الكبرى للدول للتهديد وتفشل كل الوسائل الدبلوماسية وتتم إعاقة مجلس الأمن عن القيام بدوره فإن الاتجاه للحرب يكون خيارا.

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الجمعة الماضي إن «استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة مرفوض خارج إطار مجلس الأمن»، وإن «الدول الداعمة للضربة العسكرية ضد سوريا تخالف القانون الدولي»، ولا أحد يمكن أن يتعامل مع مثل هذا الحديث بجدية، ذلك أن روسيا نفسها سبق لها أن فعلت الأمر ذاته من قبل كما في جورجيا والشيشان.

لا أحد يعرف على وجه الدقة ما سيكون قرار الكونغرس الأميركي، فالاحتمالات لم تزل قائمة، وفي الحشد الدولي نجحت الإدارة الأميركية في ضمان مشاركة فرنسا وتركيا وبعض الدول العربية الصديقة للشعب السوري، وكذلك إحدى عشرة دولة في الـ«جي 20»، ولم يزل الباب مشرعا لانضمام المزيد من الدول إذا اتخذ القرار فعليا ومارست أميركا قيادة فاعلة.

إقليميا، كل دول الخليج وتركيا والأردن تؤيد هذه الضربة للخلاص من هذه الأزمة التي طال أمدها وفشلت كل الحلول السياسية لحلها، وخسر الأسد بقراراته الخاطئة وتصوراته الواهمة لطبيعة توازنات القوى الدولية والإقليمية. ومهما يكن من أمر فإن تكاليف الضربة وإن كانت باهظة من دون شك فإنها على المستوى الاستراتيجي المتوسط والطويل الأمد أقل من استمرار الحال على ما هو عليه اليوم.

إيران وحزب الله هما الحليف الوحيد الذي بقي مع الأسد، أما مقاتلو حزب الله فهم سيتضررون كثيرا مثلهم مثل جيش الأسد الذي بدأ يشهد انشقاقاتٍ تثير الانتباه نوعيا وكميا، أما إيران فيبدو أنها ستتجرع السم مرة أخرى كما هي عبارة الخميني الشهيرة عند انتهاء الحرب العراقية الإيرانية أواخر الثمانينات، وهي تسعى كي لا يطالها شيء من آثار هذه الحرب بشكل مباشر وهي ترسل رسائل تطمين للغرب ولإسرائيل.

تبقى مصر التي لم تزل متحفظة على هذه الضربة بعكس حلفائها في دول الخليج كالسعودية والإمارات والكويت، وهو تحفظ يمكن تفهمه في ظل الظروف التي تمر بها مصر اليوم وتخوفها من تبرير أي ضربة دولية في المنطقة، وكذلك خوف قواتها المسلحة من أي تأثير محتمل على مراكز القوى العسكرية في المنطقة، وتفهم التحفظ المصري لا يعني صحته بل يعني وضعه في سياقه الطبيعي.

يجب العمل على لملمة المشهد السياسي السوري بعد الضربة، فهذا خيار لا بد منه على المستوى السياسي وعلى مستوى الجماعات الأصولية، كما يجب مواجهة أي تصعيد طائفي سيحدث، وربما يصل شرره إلى لبنان تتبعا لعناصر حزب الله.

أخيرا، إن عودة سوريا لامتدادها العربي الطبيعي في الخليج ومصر ستكون مكسبا استراتيجيا يحتاج لكثير من الجهد لتحقيقه.