سمير فرنجية: على الجميع طي صفحة الماضي والتأسيس لما بعد الأسد

لا شيء يشير الى إمكان خرق حال المراوحة التي تمر بها البلاد، لا حكومة، لا حوار، لا مبادرات جدية تكسر الجمود الحاصل، ولا خطوات مفاجئة تضع البلاد على سكة الإنقاذ. الجميع في لبنان ينتظر التطورات المرتقبة في سوريا، والقوى السياسية المختلفة مشغولة بتحليل الوقائع والنتائج من دون أن تسعى الى الاجتماع من أجل البحث في كيفية حماية لبنان وتوفير سبل الالتقاء والاتفاق، بعد أن أصبح واضحاً أن النظام السوري سيسقط وأن هناك مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الأسد، فسوريا “البعث” لم يعد لها وجود وعلى لبنان الاستفادة من الواقع الجديد لتحصين كيانه السياسي وتوحيد أبنائه وبناء دولته التي كانت طوال الخمسين سنة الماضية تعيش أخطاراً كبيرة عبر جولات الحروب المختلفة التي أذكاها النظام “البعثي” وحاول تصدير نموذجها الى دول المنطقة بالتحالف مع إيران وأحزابها “الإلهية”.

يقف أفرقاء النزاع كل على محطته، واللبنانيون يقرأون مستقبل بلادهم في توقعات النجوم وعالمي الفلك، كلام كثير، تارة إيجابي يبنى عليه في يوم وفي اليوم الثاني تنقلب الآية بكلام سلبي يطيح المتفائلين، ووسط ذلك سعي دؤوب وجريء من قبل رئيس الجمهورية لإبقاء لبنان على الخارطة ومحاولات من قوى 14 آذار لتدارك المخاطر أمام محاولات التفجير المتكررة للفتن المذهبية وجعل اللبنانيين وقوداً لها في مخططات الإرهاب “البعثي” التي تتضح معالمها يوماً بعد يوم، في حشد خبرات السيارات المفخخة مع مجموعات الاغتيال التي كثر الحديث عنها خلال الأيام القليلة الماضية في وسائل الإعلام.




لا شك في أن كثيرين يجدون أن خلاص اللبنانيين يكون بخلاص الشعب السوري من ديكتاتوره، وأنه في اللحظة التي يحصل فيها ذلك فإن اللبنانيين يستعيدون إيقاع حياتهم السياسية عبر عودة العمل في المؤسسات الشرعية والدستورية، تعود الحياة السياسية غير المسمومة بالمؤامرات والاغتيالات والتفجيرات التي كان النظام السوري يحيي لبنان على إيقاعها.

وسط هذا ورغم العجز السياسي اللبناني وشلل المؤسسات، فإن الأجهزة الأمنية تقوم بحسب قدراتها على الحد من التفاعلات السلبية، مثل الانفلات الأمني الذي قد يؤدي لحرب أهلية مكروهة، ويبدو من خلال التجارب الأخيرة ودروس التفجيرات الأخيرة أن اللبنانيين لا يريدون الانجرار للفتنة، فدرس طرابلس والضاحية مثال، وهناك إجماع على رفض مجموعات الإرهاب والتطرّف مهما كان انتماء هؤلاء الطوائفي والمذهبي، على الرغم من الظواهر الصوتية التي تهدد وتتوعد من دون أن يكون هناك تجاوب لدى اللبنانيين الذين يثبتون بتحركاتهم المدنية أنهم يريدون العيش معاً ويرفضون الانتحار وإن كانوا يخافون أن يأخذهم “حزب الله” رهينة جنونه عبر قيامه بعمل متهور يعوّض فيه للنظامين السوري والإيراني ما خسراه في سوريا.

يقرأ عضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق سمير فرنجية في الصورة الحالية “وجود منطقين في المواجهة متشابهين، منطق يقول إنه لا يمكن أن يقوم لبنان بعمل ما، إلا بعد أن يظهر ما سيحصل في سوريا، وعلى ضوء ذلك، يتم تحديد المواقف وما يجب القيام به، هذا المنطق يحتكم عملياً الى الخارج وإلى نتائج المواجهة الجارية داخل سوريا وبين سوريا والمجتمع الدولي، وهو منطق فريق 14 آذار، الذي يجد أنه قام بأكثر من مبادرة تجاه الفريق الآخر ولم يتم التجاوب معها، لذلك يمكن تفهم عدم حماسة 14 آذار لأي مبادرة جديدة، أما الفريق الآخر فهو في مأزق نتيجة خياراته في دعم النظام السوري، لا سيما “حزب الله” الذي دخل للقتال في سوريا نتيجة قرار أكبر منه، ولذلك فإن الفريقين في حالة جمود سياسي ولا يعرفان ما الذي يجب فعله”.

وعن المطلوب من 14 آذار، يرى أنه “من المفترض وعي ما يحصل في سوريا وهو نهاية هذا النظام، فإما أن نسعى فيما بيننا للاجتماع أو نحمّل هذا النظام مسؤولية الهروب لطي الصفحة، وعملياً يجب على 14 آذار التوجه نحو الطائفة الشيعية لا نحو “حزب الله” ولا حركة “امل”، لايضاح مشروعها وهو رفض أي صراع سني شيعي لان هذا الصراع يدمرنا وعلينا العمل على جعل لبنان نموذجا لحل هذا الصراع الذي يهدد العالم العربي، فاذا كنت انا اليوم في “تيار المستقبل” فإن نصيحتي له هي ما ذكرت ونصيحتي للشيعة هي العودة الى الاساسيات التي حددها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بأنه ليس للشيعة مشروعهم الخاص في لبنان وبالتالي عودة الطائفة الشيعية الى لبنان والاندماج مع اللبنانيين، كما على المسيحيين بلورة خطاب الخروج من كل مشاريع التحالف ضد الاكثرية”.

وبرأيه ان “سقوط النظام السوري المتوقع من خلال الضربة التي ستحصل سيشكل فرصة لاعادة استكمال ما لم تستطع 14 آذار القيام به سابقاً أي وضع رؤية جديدة للبلد اعلناها في 14 آذار 2012، وهي تقول باستكمال انتفاضة الاستقلال، فسقوط النظام السوري لا يعني انه يقوي 14 آذار ضد فريق 8 آذار، والذي يجب قوله هنا هو ان سقوط النظام السوري محطة اساسية وفرصة لإنهاء 50 سنة من الحروب، لان هذا النظام خلال هذه السنوات لعب دورا اساسيا في تفجير التناقضات اللبنانية ومنع التلاقي، ويجب وضع هذه الرؤية وتجاوز كل الكلام القديم عن قيام حكومة، الضربة المتوقعة ستغير كل المعادلة الحالية، مشروعنا هو القول للآخرين اننا خلصنا وان لنا دورا في حل المشكلات في العالم العربي وهذا البلد سيستعيد وضعه من جديد وسيكون مصدر نهضة للمشرق العربي، لاننا حتى الآن ما زلنا ندفع ثمن الحرب، ولكن عندما تنتهي الحرب في سوريا، فان اهم مشروع اقتصادي في العالم سيكون اعادة اعمار سوريا وهذا يعني انه ليس علينا فقط اعلان التضامن مع الشعب السوري وانما أن نبني معه المستقبل المشترك في المنطقة، اذ يمكن ان نذهب بعيداً اذا استطعنا الخروج من الامور الصغيرة ونرفع السقف ليس على طريقة “حزب الله” بوضع شروط على الحكومة، بل اجبار “حزب الله” على القبول بتسوية لان قاعدته تعيش ازمة، ويجب السماح لها بالتعبير والتفاعل”.

ويؤكد ان “الدور الاساسي هو للمسيحيين لكونهم عاملا فاعلا في إنهاء الصراع، فالدور المسيحي تاريخياً ليس الانكفاء بل في كونه فريقاً أساسياً في بناء لبنان، لا ازمة سنية شيعية يمكن للمسيحي ان يقف ويتفرج امامها، دوره ليس التفرج، بل استعادة دوره الفاعل، لا ان يذهب كما اختار العباقرة من خلال “القانون الارثوذكسي” كما قالوا لحفظ المسيحيين، يجب على المسيحيين ان يتعلموا والجزء الاكبر اصبح بهذا الجو”.

وعما اذا كان طرح الرئيس بري الاخير اضاف شيئاً ما في اتجاه اعادة جمع اللبنانيين، يؤكد ان ما قدمه بري ليس مبادرة وهو يحتاج الى بلورة”.

وعن الاخطار الامنية نتيجة الضربة على النظام السوري يقول: “الضربة عندما ستحصل، خطرها قد يكون بما يمكن ان تقوم به المخابرات السورية، مع انهم قد يلتهون بأمور سوريا وليس في لبنان، ولكن هم كانوا يسعون الى استمرار نظامهم عبر خلق فتنة مذهبية من العراق الى لبنان وهذا ما سبب تفجيرات في طرابلس والرويس، هذا الموضوع لم يعد مفيداً والامور تطورت بسرعة، هذا لا يعني ان النظام السوري غير قادر ولكن لم يعد هناك وظيفة لمثل هذه الاعمال”.

وعن الخطاب الذي يجب ان توجهه 14 آذار للفريق الشيعي، يشدد فرنجية على ان “هناك امرا مبدئيا يجب ان تقوله 14 آذار موجها للشيعة ولغيرهم من اللبنانيين وهو ان الصفحة الحالية يجب ان نطويها، وهذا الكلام ليس موجها للاحزاب الشيعية وانما لجميع اللبنانيين وللشيعة كطائفة، يجب القول إن النظام السوري سقط ويجب البحث في طي الصفحة، الموقف المبدئي يجب ان نأخذه بمعزل عن ردود الفعل عليه، فهذه المسألة تؤسس لمستقبل البلد، فنحن بسقوط النظام السوري رابحون بالمعنى التقني ولكن يجب عدم توظيف هذا الانتصار الذي حققه الشعب السوري اساسا من اجل تصفية حسابات في الداخل، بل نحن نريد طي صفحة 50 سنة ساهمنا جميعاً فيها”.

ويفسر بأن “التجربة الشيعية” السياسية الحالية مثل المارونية السياسية في مرحلة الحرب، ولا بد من الالتقاء وعدم الدخول في المحاسبة، يمكن ان يكون “تيار المستقبل” مرتاحاً اكثر لكونه لم يكن موجوداً خلال الحرب ولم يشارك فيها ولان الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يرتبط اسمه بميليشيا تقتل البشر ولكن يجب الاجتماع والقول اننا جميعنا كنا مسؤولين في مراحل تاريخية مختلفة وعلينا الآن طي الصفحة وان نؤسس لعيشنا المشترك بشروط الدولة فاتفاق الطائف موجود، ومن هنا التأكيد بأننا لا نحاسب احداً، لا بل بالعكس هذا يريح الفريق الآخر والذي يجب ان نوضح له انه لم يعد بالامكان ان يستمر في دفع الدم وتحمل تبعات ارتباطه بنظام ساقط وفي العزل عن العالم العربي”.

ويتوقع في حال لم يستجب “حزب الله” ان يواجه ازمة كبيرة داخل الطائفة الشيعية، “فمَن يستطيع ان يضع طائفة في هذا البلد بوجه سوريا والعالم العربي واوروبا وافريقيا؟”.

ويعرب عن تصوره بأن “قرار “حزب الله” لا يزال حتى الآن ايرانيا، وكلام الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله عن ذهابه للقتال في سوريا، هو ابلاغ بأن قرار مشاركة حزبه في سوريا قرار يجب عدم البحث فيه وانا مستعد له، وهو بذلك يقطع الحديث على أي دعوة للانسحاب من هناك ولكنْ هناك خوف كبير داخل الطائفة الشيعية بعد انفجارات الرويس وطرابلس ويجب علينا كـ14 آذار السعي لطي الصفحة والتأكيد على الشراكة، فالشيعة اعطوا تحرير الجنوب والموارنة اعطوا لبنان الكبير والسنة اعطوا الاستقلال هم والموارنة كل طائفة اعطت لبنان، وبتدميره جميع الطوائف كانوا شركاء وكذلك في بنائه، واليوم علينا ان نجتمع ونوجه كلاماً اخلاقياً وليس سياسيا فقط لان التأسيس لا يكون على السياسة وانما على الاخلاق”