سلام: تأليف الحكومة لا يزال امام العتبة الاولى

اكد رئيس الحكومة المكلف تمام سلام انه لم يسعَ يوما الى “حكومة أمر واقع، بل قلت دائماً ان حكومتي هي حكومة الواقع. لكن القوى السياسية استخدمت التعبير ولا تزال تستخدمه في كل مرة تريد ان ترفض امراً او استحقاقاً، او لا يحظى برضاها”.

واعتبر سلام في حديث لصحيفة “الأخبار” ان مهمته لم تفشل، مشيرا الى “ان المهمة صعبة وشاقة، وان الذي فشل هو القوى السياسية جميعاً وليس انا. الفشل عند اولئك الذين ينادون ليل نهار بتأليف الحكومة واستعجال حل مشكلاتها ولا يكفّون عن المزايدة في ذلك، وفي الوقت نفسه يحولون دون تسهيل تأليفها. انا قلت منذ بداية تكليفي، ومن موقعي المستقل، انني لست مع هذا الفريق ضد ذاك او العكس، بل  تقضي مهمتي بجمع الافرقاء المختلفين. لكن ماذا عساي ان افعل اذا لم يُرد اي من هؤلاء ان يلتقي الآخر؟”.




لكن سلام لا يوافق رئيس المجلس النيابي نبيه بري رأيه الانتقال بتأليف الحكومة الى طاولة الحوار الوطني، معلنا ان “المكان الطبيعي والوحيد لتأليف الحكومة يجب ان يكون في دعم رئيس الحكومة المكلف. سمعنا في الامس من بري ان كل ما يتوخاه من الدعوة الى الحوار الوطني تسهيل التأليف. لا بأس اذا كان هذا الحوار يسهّله. لكن المواضيع المطروحة على الحوار الوطني اساسية ومصيرية ودقيقة، وقد تتطلب مناقشتها والتفاهم عليها زمناً طويلاً”. واضاف: “لا يسع تأليف الحكومة انتظار طاولة الحوار، وليست هذه مكانه، بل التواصل بين الافرقاء السياسيين في ما يقدمونه من اجل المساعدة على ابصار الحكومة النور، وكنت واضحا في تأكيد هذا الموقف، فالمكان الوحيد لمناقشة تأليف الحكومة هو مع رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية فقط، اما ما هو سوى ذلك، فيعتبر انتقاصاً من صلاحياتهما الدستورية، وينقل التأليف الى اداة جديدة وعرف جديد غير مقبول على الاطلاق، ولا يقرّ به الدستور”.

وقال سلام انه “حتى اليوم، وفق ما يبدو لنا جميعا، فان احدا منهم لا يريد تسهيل مهمة رئيس الحكومة المكلف، فلماذا الهروب بالمشكلة الى طاولة الحوار الوطني”، مؤكدا في المقابل انه يؤيد “انعقاد الطاولة في اي وقت لمناقشة القضايا المصيرية والمهمة المختلف عليها، وقد يكون هذا ما يسعى اليه ايضا بري، لكن في موضوع الحكومة الامر مختلف تماما. ليست، ولا ينبغي ان تكون، في جدول اعمال طاولة الحوار، وعلى الافرقاء تذليل العقبات والعراقيل وعدم الاختباء وراء متاريس الشروط المتصلبة، والمزايدة في اتخاذ المواقف والمواقع، وفي الوقت نفسه المطالبة باستعجال تأليف الحكومة من دون اقدامهم على ادنى خطوة جدية”.

واضاف سلام: “لم اكن مرة جامدا ومتصلبا في المواقف والمعايير التي حددتها للتأليف، ولم أشأ من وضع هذه القواعد الا حماية التأليف. مع ذلك قوبلت مرونتي بالتشدد والعناد والتعطيل”.

وشدد سلام على استبعاده فكرة الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة، معتبرا ان الخيارات امامه مفتوحة على مواقيتها المناسبة، معربا عن ثقته بعامل الوقت لتخفيف وطأة التشنج. واضاف: “منذ البداية قلت ان خياراتي امامي وآمل ان لا نصل الى مثل هذا الامتحان، بل ان تتاح الفرصة امام تحرك ما يعطي نتيجة ما. كدنا نلامس هذه الفرصة في الايام الاخيرة بحكومة جامعة، لكن معطيات طرأت حالت دون خواتيمها الايجابية، وأوجبت علينا التريث الى ما بعد عودة رئيس الجمهورية من نيويورك. جميعنا في قلب أزمة مستعصية، لكنني لن ادير ظهري لها والتخلي عن مسؤوليتي. الجميع يعرف مكامن الازمة الحالية وعند مَن تقع. لكن بالتأكيد ليس عندي انا”.

ولاحظ سلام “ان هناك معطيات اقليمية تفرض نفسها على القوى السياسية تحول دون تليين المواقف. في مواجهة هذا الواقع لا ارى في اي حال ان من المناسب التخلي عن حمل المسؤولية، رغم ان ما يحدث واهدار الوقت من دون المساعدة على تأليف الحكومة يتسبب بتآكل رصيدي الشخصي”.

وهل تكمن الأزمة في المعايير التي اشترطها لتأليف حكومته الاولى ام يعزوها الى الملفات الشائكة الموازية كمشاركة حزب الله في الحرب السورية ومصير سلاحه، اجاب سلام: “طبعا هذه مشكلات اساسية. لكن المعيار الرئيسي في العرقلة هو المواقف المتناقضة بين مَن يطالب بعدم تمثيل حزب الله في الحكومة، ومَن يصر على تمثيله. لست انا ولا رئيس الجمهورية مَن وضع معيار عدم تمثيل الحزب في الحكومة. ليست معاييري التي تعرقل التأليف بل الشروط التي يفرضها الافرقاء الآخرون. لكل شرطه يقابله الطرف الآخر بشرط آخر معاكس. هكذا نراوح في دائرة التجميد والتعطيل. ليكفّوا عن تبادل الشروط التعجيزية، فيبصر اللبنانيون سهولة تأليف الحكومة”.

واضاف سلام: “هذا ما حدا بي الى القول اننا نؤلف حكومة في لبنان وليس في السويد، آخذين في الاعتبار المعطيات اللبنانية التي نعرف، ويا للاسف، اداء السياسيين ومواقفهم السلبية وتحجّرهم وتمسكهم بمكاسبهم السياسية. حتى موضوع المداورة كإحدى القواعد التي حددتها للتأليف ينظر اليها فريق سياسي كأنها ضده، في حين ان المداورة تتناول الجميع، وفي الوقت نفسه ضد الجميع”. وقال سلام انه “لا يفهم دوافع هذا الفريق كأن المداورة تتوخى النيل منه، لا بل يرفض البعض المداورة الا من داخل الفريق الواحد كي يجري تبادل الحقائب في ما بينه كأننا نكرّس الحقائب لحزب او تيار، او لفريق تتجمع فيه احزاب وتيارات، فتستأثر بالحقائب تلك من اجل تثبيت الاحتكار اكثر فاكثر، وجعله اقرب الى ان يصير حقا مكتسبا، ولكن لن اوافق على هذا الامر”. وتابع: “لا اقصّر في طرح المخارج والتصورات، وألمس تعاونا بنّاء وممتازا ومتقدّما من رئيس الجمهورية الذي يوافقني الرأي في المعايير التي وضعتها للتأليف. تحدّثنا في البداية عن حكومة حيادية قبل الانتخابات النيابية من اجل الاشراف عليها لا تحرج احدا من الاطراف، ثم تبدّل الظرف بعد التمديد لمجلس النواب وصرنا نتحدّث الآن عن حكومة سياسية جامعة في ضوء التطورات الامنية الاخيرة يشترك فيها الجميع بالتوازي. لكن احداً لا يريد الاستماع الينا، ولا الجلوس مع الآخر الى طاولة مجلس الوزراء. ما العمل اذا؟”.

وعما اذا كان يرى بأن المطلوب زيارته السعودية لتفكيك العراقيل، اجاب سلام: “منذ بداية تكليفي لم يراجعني احد في الخارج، ولم يتحدّث معي ولا تحدّثت مع احد. لا السعودية ولا مع سواها. هناك سفراء دول كثيرة منذ التكليف حتى اليوم يحرصون على ان يبدوا كل استعداد لتأكيد الدعم والمساعدة والتأييد، لكن تأليف الحكومة شأن آخر، فهي مسألة لبنانية داخلية لا تعود الى الخارج. على الاقل بالنسبة اليّ. لم اسافر الى اي دولة كي لا يشاع انني اتحرّك في الخارج من اجل تأليف الحكومة، او التأثر بهذه الدولة او تلك، وعلاقتي بالسعودية ليست خافية على احد وهي قديمة وتاريخية وتقليدية منذ ايام والدي الرئيس صائب سلام. لا تشعرني بحرج بل اجهر بها على الملأ. لكن تأليف الحكومة شأن مختلف تماما. لا تؤلف الحكومة خارج لبنان. هذا بالنسبة اليّ انا بالذات. اما الافرقاء الآخرون فلا شأن لي بهم، ولا من اين يأتون بالتعليمات”.

واعلن سلام ان التأليف لا يزال امام العتبة الاولى، وهي شكل الحكومة وعدد وزرائها. وهو اذ اكد تمسكه بقراره عدم الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة، ابدى خشيته من ان يستمر التعطيل الى أوان انتخابات رئاسة الجمهورية بعد ستة اشهر، قائلا “الخشية قائمة على كل صعيد وفي كل اتجاه في ظل الوضع القاتم. لكنني آمل في ان لا اكون رئيسا مكلفا للحكومة اذا وصلنا الى الاستحقاق الرئاسي كي نواكب الفراغ المحتمل”.

وعما اذا كان يجد في الشروط المتبادلة للتأليف انتقاصا من الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف، اجاب: “لم تمنعنِ العراقيل والعقبات من التمسك بصلاحياتي الدستورية كرئيس مكلف، ولن اتنازل عنها، لأن التنازل عنها تشكيك في الدستور الذي ينص على ان الرئيس المكلف هو الذي يؤلف الحكومة بالتعاون مع رئيس الجمهورية.
وهما المرجعان الدستوريان المعنيان بالتأليف. طبعا السقوف والسلبيات والنبرة العالية والتشدد في فرض الشروط تقف عقبة في طريق التأليف وتقيّد الصلاحيات الدستورية”. واضاف: “ليس هناك اتصال مقطوع مع احد، ولا مع قوى 8 آذار. انا منفتح على الجميع ولم اسع إلى أن انقطع عن احد، او اضع سدا دونه. لكن الوضع جامد ولا يتحرك. لا ازال اطالب بحكومة 8 ـ 8 ـ 8، وبحكومة سياسية جامعة، لكننا لم نخض بعد في التفاصيل. لم ابدأ البحث مع احد في حقائبها وتوزيعها، بل في شكلها كما هو معروف. لدي تصور عن مداورة الحقائب، وناقشت الامر مع رئيس الجمهورية الذي أيد الفكرة وسبل اجراء المداورة. انا ميال الى اعتماد المعايير التي تؤمن للجميع مكانة، وتحافظ على توازن كبير في تمثيل الطوائف جميعا، ولا تهمل القوى السياسية في ظل حكومة جامعة”.

وهل يمتلك الاعصاب الباردة كوالده صائب سلام في جبه استحقاق تأليف الحكومة، قال: “بعد هذه الاشهر من الصبر والاحتمال والاستيعاب، اترك لسواي ان يقدّر امتلاكي اعصابا باردة كوالدي. بالتأكيد الظروف والاشخاص والاحداث اختلفت تماما. لكل زمان دولة ورجال”.