زمن ذو القرنين لخلافة قرن أمريكا – حبيب راشدين

عندما يخدع “الخب” بوتن “الغشيم” أوباما، فيدمر بكيمياء الدهاء الدبلوماسي كيمياء الكذب الغربية، ثم يجعل من واجب التدمير الشامل “للتميز” الأمريكي بالقوة البهيمية شرطا لقيام عالم يكون “التميز” فيه لقوة القانون الدولي لا لقانون قوة الدول، فلا بد أن نبشر بنهاية القرن الأمريكي، وميلاد عالم ذي القرنين أو أكثر.

في المقال الأخير كنت قد حددت في استهلاله الموقف المرتقب للرئيس أوباما بين خيارين: إما “الإبرار بوعد قطعه على نفسه” أو “يبحث في الدقائق الأخيرة عن مخرج آمن” وعلى ما يبدو، فإن طوق النجاة جاءه تحديدا من الخصم عبر المبادرة التي طرحها بوتن “بوضع السلاح الكيمائي السوري تحت الرقابة الدولية”.




الخب بوتن يخادع الغشيم أوباما

أسئلة كثيرة طرحها الإعلام الأمريكي والغربي، قبل وبعد خطاب أوباما الثلاثاء الماضي، حول طبيعة المبادرة الروسية وما تخفيه، وهل جاءت نتيجة لجدية التهديد الأمريكي، أم أنها هدية مسمومة، وفخ آخر نصبه الخب بوتن للغشيم أوباما؟

وبين الموقفين نتج إجماع عالمي على أن المبادرة الروسية قد أبعدت إلى حين شبح الحرب الإقليمية المتدحرجة، وحققت إلى جانب ذلك أكثر من هدف: أرضت الخصم الأمريكي والغربي، دون أن تلزم الحليفة سورية بما لا يُستطاع.

الفريق “المهزوم” في الملف السوري، من العرب ومعهم إسرائيل، تركية وفرنسا، ركز على ما في المبادرة من “تراجع” للنظام السوري والحليف الروسي، حتى وإن كان هذا الفريق يصر على مطالبة أوباما بـ”تأديب” الأسد، ولا يخفي بعضهم خيبة الأمل من تراجع فرص تنفيذ الضربة التي كان يعول عليها لتغيير موازين القوة على الأرض.

غير أن الأوساط الدبلوماسية، والخبراء الإستراتيجيين في الشرق والغرب، يميلون نحو المجازفة ببداية التأريخ لميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب، منذ اللحظة التي نجح فيها الروس في إقناع الأمريكيين بالتخلي عن الضربة والقبول بالمبادرة

قوة القانون لا قانون القوة

ولن يكون بوسع أحد أن يمر مرور الكرام على “مبادرة” أخرى آخر فاجأ بها بوتن العالم، عبر مقال نشرته له صحيفة “نيويورك تايمز” تحديدا في الذكرى الثانية عشر لأحداث 11 سبتمبر، ويحتاج منا أن نتوقف عنده قبل المضي في بحث أبعاد وتداعيات المبادرة الروسية.

بيت القصيد في مقالة بوتن جاءت في خاتمتها، حيث يقول الرئيس الروسي:” لقد استمعت إلى خطاب أوباما للأمة يوم الثلاثاء، وأنا لا أتفق معه بشأن “التميز” الأمريكي، حيث يؤكد أن سياسات الولايات المتحدة هي ما يخلق “تميز” أمريكا، وإنه لمن الخطورة – وكيفما كانت الدوافع – تشجيع الناس على النظر إلى أنفسهم بتميز، فهنالك بلدان كبيرة وأخرى صغيرة، وأغنياء وفقراء، ومن لهم تقليد ديمقراطي عريق، ومن يتقدم على طريق الديمقراطية، كما تختلف سياساتهم، لكنا جميعا عندما نطلب المباركة من الخالق، يلزمنا ألا ننسى أن الله خلقنا متساوين”

هي ذي الرسالة التي أراد بوتن أن يستمع إليها، ليس فقط الشعب الأمريكي، المفتون بوهم “التفوق” بالقوة البهيمية، ولكن كل شعوب العالم التي ترغب في أن تكون إدارة للشؤون الدولية لا تختلف عن إدارة الشأن العام في أي دولة تٌحكم ” قوة القانون وليس قانون القوة” وقد مهد بوتن لهذه الرسالة باستطراد تاريخي، ذكر فيه الأمريكان بما آلت إليه “عصبة الأمم” من تفكك، قبل أن ينعطف على الملف السوري والتهديد الأمريكي بتوجيه ضربة عسكرية خارج الشرعية الدولية.

وفي هذا السياق بدد بوتن أي لبس حيال الموقف الروسي بالقول: “إننا لا نحمي الحكومة السورية بل القانون الدولي، ونعتقد أن الحفاظ على القانون والنظام الدوليين في عالمنا اليوم، المعقد والمضطرب، هو السبيل الأوحد لمنع العلاقات الدولية من السقوط في الفوضى”.

الكريملين يجدد مبادئ باندونغ

الرسالة في الجملة هي خطاب افتتاحي للمبادئ التي ينبغي أن تؤسس عليها مستقبلا العلاقات الدولية من وجهة نظر بوتن، لا مكان فيها لتفرد أو “تميز” للأقوياء، الجميع فيها ملزم بالانصياع للقانون الدولي الذي ترتضيه المجموعة الدولية. رسالة لقوى الاستكبار وأيضا للمستضعفين من دول العالم، في محاولة لتأليب شعوبها ونخبها بمفردات ليست غريبة عليها، وكأنها مستنسخة من أحد بيانات قمم دول عدم الانحياز في أعز أيامها، خاصة وأن الرئيس الروسي يقول للأمريكيين ما لم يسمعوه من أحد: “ملايين الناس عبر العالم لا يرون اليوم في أمريكا مثالا للديمقراطية، بل يرونه مثالا يستند إلى القوة فقط، يركب اصطناعيا تحالفات تحت شعار: “إما أن تكون معنا أو أنت ضدنا.”

الرسالة بمضامينها العميقة، ولهجتها القوية، تقدم جوابا مختصرا لمن قرأ في المبادرة الروسية “حالة من التراجع” بل والخذلان للحليف السوري، فقد جدد بوتن فيها تبرئة النظام السوري من تهمة استعمال الكيميائي، ونقل التهمة إلى المعارضة، لكنه فعل أكثر من ذلك في جملتين أضمر فيهما الموقف الروسي المرتقب في حال رفض أمريكا للمبادرة.

الأولى: بالمرافعة عن “حق الدول” التي يخذلها القانون الدولي في “امتلاك أسلحة الدمار الشامل” وقد قصد بها ربط التخلي السوري عن السلاح بضمان معاملتها وفق القانون الدولي، كما ألمح إلى التأثير السلبي للرفض على معالجة الملف النووي الإيراني.

والثانية: أن روسيا التي دخلت في النزاع الدائر في سورية، سوف تواصل القتال “ليس من أجل حماية الحكومة السورية بل من أجل حماية القانون الدولي” وأنه على الجميع أن يتوقف” عن استعمال لغة القوة والعودة إلى جادة الحوار السياسي والدبلوماسي الحضاري” كما قال، وإلا فإن التهديد بتوجيه ضربات “سوف ينسف الجهود المتعددة الأطراف من أجل حل مشكلة النووي الإيراني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. .

الضغط على اليد التي توجع أمريكا

وفي الجملة يكون الرئيس الروسي قد وسع أفق ”المبادرة” لتتخطى حدود النزاع في سورية، فتشمل أخطر الملفات التي تهدد السلم والأمن العالميين، بما في ذلك الملف النووي الكوري الشمالي، وكأنه يقول لأوباما ولحلفائه: لا تعولوا على روسيا، وربما على الصين، في جميع هذه الملفات في اللحظة التي تصرفون فيها النظر عن المبادرة، وتفضلون لغة القوة.

عند هذا الحد يكون من المفيد تفكيك مفردات المبادرة الروسية واستشراف تداعياتها، ليس فقط على مستقبل النزاع في سورية، ولكن على مجمل الملفات العالقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين، وهو ما حرص بوتن على توضيحه في المقال.

فالعرض الروسي المؤيد بقبول سوري سريع، هو من العروض التي لا يمكن ردها، وهو يستجيب لأحد أهم المطالب الإسرائيلية إلى جانب النووي الإيراني، يسهل على أوباما وحزبه تسويقه داخليا للوبي الصهيوني، وقد ذكرت في مقال سابق بالمعادلة التي تتحكم في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط  ومفادها: “أن ما تريده السعودية تحصل عليه السعودية، وما ترغب فيه إسرائيل تحصل عليه إسرائيل” وعند تعارض مصلحتي الحليفين ترجح كفة إسرائيل بالضرورة. وهذا بالذات ما يعرفه الروس تمام المعرفة، فاختاروا إرضاء للولايات المتحدة عبر إرضاء حليفتها إسرائيل.

كيمياء الدهاء لتدمير كيمياء الكذب

العرض كان مغريا، غير أن كثيرا من الخبراء العسكريين ومفتشي أسلحة الدمار الشامل، مثل هانس بليكس، يجمعون على أنه غير قابل للتنفيذ الآن، ويحتاج إلى سنوات من عمل خبراء التفتيش والتدمير لمخزون يقدر بألف طن، موزع على “دزينة” من المواقع عبر التراب السوري، ويحتاج إلى تعاون كامل وطوعي من الحكومة السورية، فضلا عن إنفاق أموال طائلة لم تقترب منها المبادرة.

فقد احتاج برنامج تخلص الولايات المتحدة من ترسانتها الكيميائية والبيولوجية إلى أكثر من عشر سنوات ولم ينته حتى الآن، وكلف حتى الساعة 35 مليار دولار، ثم إن تنفيذ المبادرة يحتاج إلى التحاق سورية بالمعاهدة الدولية، وهو ما حصل رسميا أول أمس، في مقاربة توحي أن السوريين يريدون أن يتم التخلص من الأسلحة على يد المنظمة الدولية، وبشروطها التي لا تخضع الدول إلى أي قرار من مجلس الأمن كما أراد الفرنسيون، وهو يحتاج فضلا عن ذلك إلى التوصل إلى حل سلمي يبدأ بوقف الاقتتال، وإلا استحال تنقل فرق التفتيش، وامتنع تنفيذ العرض.

من هذه الزاوية يكون الروس والسوريون قد ضربوا بحجر أكثر من عصفور. فقد اشترط الروس مقابلا أمريكيا للعرض، تلتزم فيه الولايات المتحدة باستبعاد العدوان على سورية الآن وحتى تنفيذ العرض، يما يعني استبعاد جميع الخطط التي كانت تدبر لتدخل عسكري غربي أو من قوى إقليمية، بل يوجب على الولايات المتحدة أن تلزم حلفاءها بوقف تدفق المقاتلين الأجانب وتسليح المعارضة، وحملها على الدخول في خيار التسوية السلمية والذهاب إلى جنيف 2.

ذو القرنين ينهي “قرن” أمريكا

قبول سورية السريع بالعرض يوحي أن الملف قد بحث من قبل، وأن سورية ما كانت لتقبل التخلص من سلاحها الإستراتيجي دون حصولها على مقابل وضمانات روسية. جانب من المقابل صرح به وزير الخارجية الروسي بالقول: “أن سورية قد حصلت على ما تحتاج من الأسلحة للدفاع عن نفسها، وسوف تحصل على المزيد”.

غير أن العامل الحاسم الذي يكون قد أقنع السوريين هو أن السلاح الكيميائي غير قابل للاستعمال الآن، لا في النزاع مع المجاميع المسلحة، ولا حتى في مواجهة مع قوى إقليمية مثل تركية وإسرائيل، وأن حراسته فقط تجمد خمس تعداد الجيش السوري، بما يعني أنه يشكل الآن عبئا على الجيش السوري، وبوابة لتبرير أي اعتداء غربي.

وكما نرى فإن الصفقة إن تمت، وسوف تتم، ترضي الجميع إن لم تكن قد قدمت المفتاح السحري الذي كان يبحث عنه كل طرف للخروج من المستنقع السوري، يسمح للجميع بتنفس الصعداء بما في ذلك الروس والصينيون والإيرانيون.

دخول الأمريكيين في هذا المسار، ودون مشاورة مسبقة مع حلفائهم، ومنهم فرنسا والسعودية على وجه التحديد، لم يبعد فقط شبح الحرب الإقليمية انطلاقا من الساحة السورية، بل أرخ لنهاية “التفرد” كما يقول بوتن، وبداية نهاية ما كان يسمى بـ”القرن الأمريكي” كما أقرت بذلك مجلة “فوراين بوليسي” حتى قبل أن يصدم الأمريكان بمقال بوتن.

لم يكن أمام الرئيس الأمريكي خيار آخر سوى القبول بهذا العرض، فأهل مكة أدرى بشعابها، وأهل “البيت الأبيض” أعلم من غيرهم بمقدار تراجع القوتين الصلبة والناعمة للولايات المتحدة منذ دخولها في مغامرتي العراق وأفغانستان، ودخول الاقتصاد الأمريكي منذ 2008 في أزمة مزمنة، وانتقال قيادة الاقتصاد العالمي من الأطلسي إلى شرق آسيا قبل نهاية هذه العشرية.