رحلت مي جنبلاط التي أمسكت بخيطان سياسة المختارة من حيث لا يراها أحد

وليد جنبلاط سياسي وزعيم لبناني لا يدور البلد من دونه، فهو المحور حيث يكون، وبيضة القبان أين يكون، ونجم المحاور التي إذا انتمى إليها أخذها إلى أقصاها، وخير المُحاور إن أخذ الوسطية فيتلوى في المواقف، من أطراها إلى أقساها. وهو سيد اللعب على التناقضات، حتى خاف منه الأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء. يتخالف مع رجل إن اصبح، ليتحالف معه إن أمسى.

وهذه صفات يقول العارفون إنه ورثها عن “الست مي”، والدته التي ودعت الدنيا ليل امس، تاركة ابنها وأحفادها في خضم أزمات لن يستطيع زعيم الموحدين التقدمي الاشتراكي أن يستأنس برأيها، كما درج منذ ألبسه المشايخ الموحدون عباءة الزعامة، مساء 16 آذار (مارس) 1977، قبل أن يدفن والده الزعيم اللبناني والعربي كمال جنبلاط.




سيدة التناقضات

رحلت السيدة مي أرسلان جنبلاط في ليل يفتقد فيه البيت الجبلاطي البدر، يفتقد فيه لبنان سيدة صلبة حفرت آثارها عميقًا في تاريخ الموحدين وتاريخ دار المختارة، قبلة الجنبلاطيين. فهي وريثة أمير البيان، الأمير شكيب أرسلان، الذي ذاع صيته في العالمين العربي والاسلامي، رافعًا لواء الوحدة العربية، ومناديًا بانفتاح إسلامي يغني حوارًا بين الشرق والغرب لا بد منه، كي يأمن هذا الشرق العربي المسلم شر غرب اعتاد النيات الاستعمارية، كما كان باديًا في أيام الأمير. وما قعد الأمير الأرسلاني عن النضال ضد الاستعمار، بألوانه كافة، فوقف لتركيا ولفرنسا، حتى أبعداه إلى أوروبا منفيًا لأعوام طويلة.

والسيدة مي مولودة في العام 1928، وتلقت دروسها في الليسيه، لتتابع تعليمها في فرنسا، متشربة من علمانية الغرب وانفتاح مجتمعه على مجتمعات نقيضة. وفي الآن نفسه، تربت على الأمير وبيانه، ما حمّل شخصيتها تناقضات لم يكن بد من ظهورها، فهي ابنة عائلة موحدة لا تعاف التقليد، لكنها في الآن نفسه متأثرة بما جنته من “غربية” أثناء تلقيها العلم بفرنسا، طاغية الثقافة خطيبة مفوهة وسياسية تعرف من أين تؤكل كتف السياسة اللبنانية بشوائبها الكثيرة، من دون أن ترغب ظهورًا إعلاميًا كغيرها.

الهوى الغلاب

غلب هواها أرسلانيتها، فتزوجت من ابن فؤاد ونظيرة جنبلاط، أي من البيت الذي ينافس بيتها في بيئة الموحدين السياسية، ومن نجل “الست” نظيرة التي هادنت فرنسا، بينما قاتلها والدها حتى نفته. وكان الأديب اللبناني أمين نخله من عرف مي أرسلان بصديقه كمال جنبلاط، فغلب هواها أرسلانيتها لتتزوج منه كمال جنبلاط في عام نكبة فلسطين، في العام 1948، مدنيًا في جنيف، خلافًا لكل عرف سائد حتى اليوم، خصوصًا أنهما من ملة واحدة.

ورافقته في كل محطات حياته السياسية، وخصوصًا في ثورة 1958، حين عاضد الأرسلانيون رئيس الجمهورية الراحل كميل شمعون بينما زوجها ثائر عليه، ومحاربه حتى النهاية. وكذلك جاورت الزعيم التقدمي الاشتراكي، الذي قليلًا ما جاورها مفضلًا الكتب العندية والتأمل، حين كاد أن يدخل على رأس القوات المشتركة حينها إلى القصر الجمهوري، لولا تدخل سوري رد هذه القوات على أعقابها.

إرث بل ثأر

يقال إن السيد مي ما قدرت على التأثير في مواقف زوجها كمال بك، وهو الذي عمل في السياسة من منطلق المبدئي الفيلسوف، ودفع ثمن ذلك حياته. ما أثرت في كمال بك، لكنها أثرت جدًا في وليد بك، وفي خيارات دار المختارة بعد اغتيال كمال جنبلاط، في 16 آذار (مارس) 1977.

فهي من دفع بابنها وليد إلى أن يرث البيت السياسي الجنبلاطي من دون ثأره، وأقنعته بزيارة سوريا بعد الاغتيال، وبلقاء الرئيس السوري الراحل خافظ الأسد، بالرغم من اتهام سوريا بعملية الاغتيال، تأجيلًا لأزمة حصلت في العام 2000، فوقف خلفه حين اختار الانقلاب على السوريين وخوض غمار قرنة شهوان أولًا، ثم التحالف مع رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.

وإلى السياسة التي مارستها من خلف الستار، كانت السيدة مي ناشطة في الميدان الاجتماعي لا تهدأ، فرسمت ورقصت، وما أنفت من إظهار شغفها بالغناء والموسيقى، كما بجمع ما ندر من لوحات عالمية ومخطوطات قديمة، مطلقةً المشاريع الثقافية، متكلة على صداقات مكينة، نسجتها مع عائلات لبنان المؤثرة، من دون أن تغادر خيار الصمت، والامساك بخيطان الأمور من حيث لا يراها أحد.

ايلاف