داعش والغبراء

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

لا يُمكن وصف المشهد السوري سوى بالمُتفلت الدامي، لا النظام قادر على السيطرة، ولا الثورة، وما بين الإثنين، تدخل تلك التنظيمات المُتطَرّفة على خط الصراع القائم، ”داعش“، وجه آخر للنظام المُتهاوي، يريد إبراز صورته وكأنه حُكماً مَن سوف يحكم سوريا اذا سقط الأسد، صورة لدولة لا تقوم إلا على مجتمعات أقلّوية تؤازر وتحمي بعضها بعضاً، تكامل أدوار، تقاطع أهداف بين ”داعش“ والنظام، يرسم خارطة جديدة مُزيّفة لمنطق الثورة في سوريا، فيما تَكثُر التحديات وتتزايد جبهات القتال أمام انتفاضة الحرية، دون أدنى شك، ”داعش“ أخطر ما يُمكن أن يواجهه الشعب والثورة، والطوائف المسيحية والمسلمة معاً، ليس بقوّتها وحدها ولا بأعدادها التي يُرَوّج أنها هائلة، إنما بواسطة نظام الأسد، حليفها وداعمها، الشريك الأساسي في صناعة غزواتها وانتصاراتها العسكرية، ”داعش“ نسخة البعث الملتحي.. إمارة لا تختلف تطرّفاً ولا تكفيرا.




وهل المشكلة في ”داعش“ وحدها، حدّث ولا حرج عن مجموعات تكفيرية لا تمّت إليها بِصِلَة، من الشبّيحة وكتائب القتل الخاصة بالنظام، وصولاً الى مجموعات حزب الله التي تقاتل في سوريا، مروراً بالحرس الثوري الإيراني، جميعهم في نفس الكفّة والميزان، مَن يعتدي على الكنيسة كالمُعتدي على المسجد، مَن يسبي مسيحية كمَن يغتصب مسلمة، ومَن يستبيح كرامات الناس لا تردعه طوائفهم ولا مذاهبهم، هذه المجموعات ليست شيشانية فقط، ولا طالبانية مع بصمة مميزة، ولا جبهة نصرة ولا أيضاً مجموعات مُستوردة دوناً عن غيرها، إسلاميو التطرّف في سوريا كَمُجمَل المُرتَزقة الذين يقاتلون على أرضها، لا فرق بينهم، وهل من فرق في الإجرام وبين مجرم وآخر؟ هل من فرق بين تكفيري ينحر الأعناق ويأكل القلوب، وآخر يتسلل الى أسِرّة الأطفال ليغدر بهم خنقاً؟ وهل من فرق بين الموت على يد تكفيري والموت على يد بعثي كافر؟

جميعهم كفرة، بمَن فيهم مَن يدعم النظام وإن كانوا رجال دين، كافر كل مَن تسَوِل له نفسه القول أن انهيار نظام الأسد خطر على الأقليات، كافر كل مَن يُفَرّق بين القتلة، وكافر كل مَن يدّعي الحرص على المسيحيين وخوفه على وجودهم، اذا ما ربط بينه وبين بقاء البعث حاكماً في سوريا، جميعهم كفرة، بمَن فيهم المجتمع الدولي الذي يتخاذل عن دعم الثورة السورية، وعدم منحها قدرة الحسم والإجهاز على الحالات الشاذة، ”داعش“ ونظام، كافر كل مَن يسمح باستمرار القتل، وكافر كل مَن يسكت عن بقاء القاتل في الحكم، او يراهن على قاتل آخر.

بما تختلف تلك ”الداعش“ التي أحرقت الكنيسة في الرقة ورفعت علمها فوقها بعدما حطّمت صليبها، عن ”حزب الله“ الذي اجتاح القصَير ورفع علمه فوق مسجدها؟ بما تختلف كنائس معلولا التي جعلوا منها قضية أمن جميع المسيحيين في الشرق، عن المساجد التي أضحت مجرد أكوام حجارة بعدما نُهِبت معظم محتوياتها؟ أين الفرق بين مسجد وكنيسة وجميعها بيوت الله، وأين الفرق بين مَن يستبيحها أينما وُجِدَت وتحت أي حجة كانت؟ تخاذل هذا المجتمع الدولي فرصة لن تتكرر لنظام الأسد، وبنفس المعيار للتنظيمات المتطرفة، هامش قتل ومجازر غير مسبوق برعاية مجلس الأمن، ”داعش“ قوى رديفة لجيش النظام السوري، مدعومة من النظام نفسه، سيناريو تراكم هواجس لِما يُمكِن أن يخلفه، ويسعى من خلالها الى تغطية ما يُمكن أيضاً أن يرتكبه في انتظار النهاية، الأسد على شفير الهاوية.. ”داعش“ إحدى أبرز أسباب استمراره.

الحرب طويلة، والسباق بين ”داعش“ والغبراء قائم الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.