جنبلاط يخلط الأوراق الحكومية و«التشكيل» يعود إلى «المربع الأول»

يثبت رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي مرة جديدة أنه صاحب الكلمة الفصل والقوة المرجحة في عملية الحكومة الجديدة، وما أقدم عليه أمس الأول من إسقاط لصيغة الثلاث ثمانيات (8 ـ 8 ـ 8) كان كافيا لإسقاط آخر وأكثر المحاولات جدية لتشكيل الحكومة وفق هذه الصيغة، وكان كافيا لإعادة خلط الأوراق الحكومية والسياسية وإعادة عملية التشكيل إلى «المربع الأول» أو إلى «النقطة صفر» وبمعنى أن التشكيل لم يقلع بعد.

قبل شهرين تقريبا وفي خطاب عيد الجيش ألمح الرئيس ميشال سليمان إلى «الحكومة الحيادية»، لاقاه في ذلك جنبلاط مؤيدا ومشجعا، ولكن هذه الصيغة ظلت مجرد «فكرة»، وسرعان ما سقطت لمصلحة ما سمي «حكومة جامعة» والمقصود بها حكومة سياسية تضم مختلف الأطراف، وليتضح بعد حين ان الحكومة الجامعة تعني «حكومة الـ 8 ـ 8 ـ 8»، وهذه الصيغة كان جنبلاط من اول الداعين اليها والمتحمسين لها لأنها تبقيه في محور وسطي وتبقي لهذا المحور قدرة التحكم في توازن الحكومة وقراراتها.




وقبل أسابيع وبعد انحسار احتمالات الضربة العسكرية الأميركية لسورية والحرب في المنطقة، قامت محاولات حثيثة لاعادة تحريك عملية التشكيل ظلت محصورة بين الرئيس سليمان والرئيس المكلف تمام سلام الذي كان يضع قيادة المستقبل في الأجواء، وحصل تقدم في هذا الاتجاه، وعلى أساس صيغة 8 ـ 8 ـ 8، عكسه الرئيس سليمان في حديثه الى «لوفيغارو» عندما اشار الى تأليف قريب للحكومة وفي غضون أيام، موحيا بان الأمر سيتم بعد عودته من نيويورك.

ولكن في موازاة تقدم احتمالات تشكيل الحكومة استنادا الى مؤشرات رئاسية، ظهرت مؤشرات مضادة تفيد بوجود اعتراضات وعقبات فعلية وجدية تحول دون ولادة مثل هذه الحكومة على يد رئيس الجمهورية والرئيس المكلف حصرا، ومن دون التنسيق مع اي من القوى السياسية، فالسيد حسن نصرالله أعلن وللمرة الأولى رفضا صريحا لصيغة الثلاث ثمانيات معتبرا انها حكومة 10 ـ 8 ـ 6 وتعطي افضلية لقوى 14 آذار التي ينتمي اليها الرئيس المكلف ووزيره، والرئيس بري نصح، وبلغة تحذيرية، من الاندفاع الى مغامرة حكومية تضيف ازمة جديدة الى البلد، ملوحا بمقاطعة حكومة الأمر الواقع ومعاملتها على الطريقة التي عامل بها حكومة السنيورة (2006 ـ 2008) وسماها «حكومة بتراء»، في وقت كان العماد ميشال عون الذي عادت علاقته مع حزب الله الى وضعها الطبيعي وتحسنت علاقته مع بري ايضا، يعلن انهم «يحلمون» بتشكيل حكومة امر واقع محملا سلام مسؤولية الإخلال بـ «الميثاقية»، ومعتبرا ان تشكيل الحكومة ليس من اختصاص رئيس الجمهورية والرئيس المكلف فقط (وهنا يتقاطع موقف عون مع الموقف الشيعي الرافض للعودة الى الثنائية المارونية ـ السنية في تشكيل الحكومات ولأن يكون الشيعة خارج القرار الحكومي)، ورافضا المداورة متمسكا بـ «جبران باسيل» في اي حكومة ووزيرا للطاقة، ويتردد انه تلقى وعدا بهذا المعنى من وفد حزب الله الذي زاره مؤخرا في الرابية.

هذه المواقف وجهت ضربة موجعة لـ «الحكومة» المفترض والمزمع تشكيلها، وجاء موقف جنبلاط ليوجه «الضربة القاضية» برفضه مثل هذه الصيغة الحكومية ودعوته الى اعادة النظر بها لأنها قد تعتبر غير مثياقية من البعض والأفضل ألا تكون حكومة تقصي أحدا، وأثبت جنبلاط من خلال هذا الموقف انه في المحطات والمواقف المفصلية يقف الى جانب حزب الله وخياره السياسي في هذه المرحلة، وانه يقدم علاقته مع الثنائي الشيعي (بري وحزب الله) على ما عداها، وانه يتفادى اي مشكلة مع حزب الله يمكن ان تجر الى «عواقب وخيمة» سياسية وغير سياسية، او انه على الأقل يفضل ان يؤجل موقفه ويشتري الوقت متجاوزا مرحلة التأزم الراهن بين السعودية وحزب الله ومنتظرا انفراجا محتملا بين ايران والسعودية.

وبعد هذا الموقف الجنبلاطي يمكن توقع ان الرئيس سليمان سيوقف اندفاعته في تشكيل الحكومة، فهو ليس في وارد ان يفعل ذلك منفردا خصوصا انه اتكأ في السنوات الأخيرة على جنبلاط وأقام معه تحالفا سياسيا «وسطيا»، وبالتالي فإن كرة الموقف تصبح الآن وفي الدرجة الأولى وبشكل مباشر في ملعب الرئيس المكلف تمام سلام الذي يواجه احد خيارين: اما ان يمشي في عملية تشكيل ليست وفق تصوره او بتعبير آخر ان يمشي في حكومة وفق شروط وتصور 8 آذار، واما ان يعتذر وتعود الأزمة من مربع التأليف الى مربع التكليف، ولكن الكرة فعليا وبشكل غير مباشر هي في ملعب فريق 14 آذار وتيار المستقبل خصوصا الذي يقف أيضا أمام خيارين: اما ان يوافق على حكومة سياسية بشروط حزب الله وبعدما تأكد ان جنبلاط فعلها مرة جديدة وجعل ميزان القوى مائلا لمصلحة 8 آذار، وإما ان يسحب سلام ويشجعه على الاعتذار لخلط الأوراق على طريقته ومن جانبه، النتيجة العملية لهذا الوضع ان حكومة تصريف الأعمال اكتسبت عمرا جديدا ومستمرة حتى اشعار آخر، وان فريق 14 آذار نجح في ايصال رئيس للحكومة ولكن من دون ان ينجح في تشكيل حكومة، وان تمام سلام يستمر رئيسا مكلفا من دون تأليف وايضا من دون اعتذار، وان الوضع يستمر، وحتى جلاء الوضع الاقليمي، على ما هو عليه.