ثورة على الذات -5- – ليلى مار

عندما كنت صغيرة، دخل أخي علينا ونحن مجتمعين، ورمى على مسامعنا كلمة بذيئة لم يفهم معناها، وكان قد سمعها من ولد تشاجر معه في الحارة!

سأل امي ببراءة عن معناها، فنبّهته أنها كلمة وسخة، وأن عليه أن لا يتفوّه بها لأنها “عيب”.




كانت الكلمة العامية للبراز هي أكثر كلمة بذيئة سمعتها في صغري، ولا أذكر أنني قلتها في أي شجار لي مع أحد…

واليوم، وبعد عقود من حكم العصابة البذيئة، أعجب كم غزت الكلمات البذيئة لغتنا المحكية، ولوّثت حديثنا اليومي!

لم يعد الأمر مختصراً على اللغة المحكية، بل تعداها إلى اللغة المكتوبة، والمواقع الالكترونية هي خير مثال على ذلك، ولو أن الأمر اختصر على الرجال؛ لقلت لنفسي: رجال.. عادي!

لكن الأمر صار متداولاً بالعلن (وليس في الأحاديث الخاصة فقط ) حتى بين النسوة، ويجدونه طريفاً، وبه يتندرون.. والأنكى من ذلك أن تستسيغه الأمهات إن صدر عن أولادهن!

فعبر الفيسبوك، وصلني بوست محوّل من شخص آخر تتحدث فيه بظرافة أم عن ابنها الذي في الصف السابع، مفتخرة ببذاءة لسانه عندما أرسل لها على الهاتف المحمول رسالة يشتكي فيها من معلمه ويلعن…. أخته (أو أمه)، وتخبر الصديقات والأصدقاء عن عميق شعورها بالفخر أن ولدها ما طلع ولد مؤدب!!

يا جماعة: حتى وإن كانت عن افتخارها بابنها تمزح؛ فكيف يمكن أن يرسل لها هكذا كلمات، أو يقولها أمامها، وهي أمه، وكيف يمكن أن تتقبل كلامه، وتجده بمنتهى الظرف.. وربما الذكاء؟!

لي صديق على الفيسبوك تعجبني أفكاره وميوله واهتماماته وفلسفته في الحياة؛ والأدب الجميل الذي يكتبه فيجعلني أحبه وأحلّق على أجنحة كلماته في عالم من السحر؛ ولكن ما إن يتكلم في السياسة حتى يتحوّل إلى نقيض للرجل الأول!

يرغي ويزبد ويُخرج الكلام البذيء بكل مفرداته المتداولة في اللغة المحكية، كلمات تنضدها أصابعه عبر صفحكته الفيسبوكية؛ فأنفر منه وأكاد أكرهه!

فإن وجّه إليه أحد نقداً لبذاءة الألفاظ المستخدمة، لم يعجبه ذلك واستخف بالناقد، وإن أبديت له رأياً مخالفاً لما نشره، انزعج مني، حتى كرهت أن أعلّق على ما يعرض من آراء وأفكار!

عيبنا الأول في هذا المقام، هو عباراتنا السوقية، وميلنا لاستعمال أسلوب الشتيمة والسباب في نقدنا للآخر، وعيبنا الثاني بالمقابل، هوعدم قدرتنا على تقبّل النقد حتى من الأصدقاء، وإن كان بأسلوب لطيف راقي، أوغير مباشر، وبالتالي،عدم قدرتنا على نقد ذواتنا!

وإن لم نتقبل النقد، ولم ننقد ذواتنا لنكتشف اخطائنا كي نتلافاها قدر الإمكان؛ فكيف لنا في مجتمعنا أن نتطوّر؟

عاتبني مرة صديق أنه فوجىء بوجود “أصدقاء” لي قد يكون لديهم بعض التطرف في الأفكار؛ فقلت له: ليس كل من القائمة في صفحتي هو حقاً من الأصدقاء، فالأكثرية هم من المتابعين والمهتمين ممن عرض عليّ طلب الصداقة، والبعض منهم عرفني من خلال مقالاتي المنشورة بمواقع أخرى، وبما أنهم كلهم معارضين للنظام، أو ثوار، أو حتى على الحياد (كما يحاول البعض أن يسمي نفسه)؛ فليس لدي مانع أن أقبل صداقتهم، حتى وإن كانت ميولهم مختلفة وأفكارهم متطرفة قليلاً او بالأصح فجّة؛ فعساهم بالحوار، وبعد أن يقرؤوا لي، يقتنعوا بأن يغيّروا أفكارهم!