ثورة على الذات -4- ليلى مار

كنت قد تساءلت في الجزء الأول: هل كان حافظ وعصابته هم وحدهم المسؤولون عن تخلّفنا؟

أم أن ثمة جرثومة ما.. جينة ما، تجري في دمائنا وتؤثر في سلوكنا؛ فلا نتغيّر إيجابياً إلا بمقدار؟؟




السوري في الداخل إن كان مبدعاً مات إبداعه، وإن هاجر وتغرّب تفتّح ذلك الابداع حتى فاق إبداع أقرانه من أهل البلد.. لماذا؟

لندع السياسة والقمع الذي يقتل الابداع جانباً، ولنبحث عن أسباب أخرى لها علاقة بسلوكنا..

وقد أوردت في مقالاتي السابق بعض الأسباب، وها هو ما تبقى منها:
نحن شعب يحب الكذب، ونكذب أكاذيب بيضاء وأخرى سوداء، ونكره الصراحة، بل نخافها!

وحتى مع من نحب يكون هكذا سلوكنا: اللف والدوران وسوء الفهم والدوخان، حتى الوصول لقلب الحبيب المصان!

نحن شعب يحب النفاق.. يعني تمسيح الجوخ!

وما عليك سوى التنبيش في صندوق الأمثال الشعبية، لتتأكد من صواب كلامي، ومنها أنبش لك المثل المعروف: الايد يللي ما بتقدر عليها، بوسها وادعي عليها بالكسر!

نحن لا نلتزم بعملنا ونقوم به، ونحن على الأغلب مجبرين ومشمئزين وشاعرين بالملل أو الكسل، حتى وإن كنا نعمل في القطاع الخاص، ونحصل على حوافز مجزية!

نمضي من ساعات الدوام بالتسلية والأكل والتدخين وشرب القهوة والثرثرة، أكثر بكثير مما نقدمه من عمل مفيد لنا، ولمن يسعى إلى خدماتنا.

وأكثر ما يثير عصبيتي بالنسبة للموظفات هو ذهابهن للعمل، وكأنهن ذاهبات للسهرة، أي بكامل زينتهن الذهبية؛ فترى الخواتم والعقود والأساور وتسمع خشخشتها!..

وترى الوجوه المصبوغة بالمكياج صبغاً حتى عند الممرضات في المشافي، اللواتي من المفروض، حسب متطلبات العمل، أن لا يكنّ متبرّجات، ولا أن يرتدين في العمل الكعب العالي، ولا تكون لهن من الأظافر تلك الطويلة المطلية بالأحمر، وأن يربطن الشعر ولا يتركونه مسدلاً على الأكتاف!

وكما أننا لا نحترم الوقت في عملنا، فنتأخر على الدوام عند الصباح، أو نهرب قبل انتهائه؛ فنحن لا نحترم مواعيدنا خارج العمل، ونأتي متأخرين على من واعدناهم، أو نحرص على أن تكون مواعيدنا فضفاضة وممطوطة: بشوفك ان شالله بين العصر والمغرب، أو بين الغدا والعشا.. أو بعد المسلسل، ومع ذلك نتأخر!

نحن نموت في حب المظاهر والتقليد؛ فلنا من الموضة صرعاتها، حتى لو لم تلائم أجسادنا ولنا من المنتجات التقنية أحدثها، حتى وإن جهلنا معظم تطبيقاتها.

نحب البرامج الترفيهية ونكره البرامج التثقيفية، ونلعب ألعاب الكومبيوتر ولا تُمتعنا القراءة.

نحب المظاهر والبذخ في أعراسنا وحفلاتنا، وطعام ولائمنا وشرابنا؛ فنطلب طعاماً لشخصين يكفي لأربعة! وكلما كثرت الصحون ازددنا زهواً بقدرتنا على دفع الفاتورة؛ فنتسلى بلقمة من هنا ولقمة من هناك، وليس في البطن من جوع وإنما مجرد نهم!

ثم نرمي الفائض مما طلبنا ولم نأكل من نعمة الله في الزبالة!

لا يوجد لدينا أدنى وعي بالبيئة، فكما نحن نرمي الطعام في القمامة وغيرنا يمضي ليلته جائعاً؛ فنحن نرمي قمامتنا في الشارع عشوائياً، حتى وإن كانت الحاوية منا قريبة، ونهدر في استهلاكنا للطاقة، ونرمي المخلفات الخطرة في المجارير، ونلوث مصادر مياهنا التي نتنزه على ضفافها ونتمتع بمناظر الطبيعة عندها!

لا يوجد لدينا تربية بيئية؛ فلا نحن اكتسبناها من الأهل ولا من المدرسة، ولا نحن نعرف كيف نعلّمها أولادنا.

فترى الولد يؤذي حيواناً صغيراً، أو يقطع غصن شجرة، وأمه قربه عنه ساهية، أو أنها ترى ولا تهتم أن تنبهه وتردعه وتبين له السبب!

وكما نحن فوضويين في تعاملنا مع البيئة، نحن كذلك في التعامل مع القانون الذي وُجد لتنظيم حياتنا؛ بل إننا نكن له عداءً عجيباً رغم أن لا علاقة له بنظام العصابة الحاكمة!

فنحن لا نعرف كيف نصبر، ونقف في طابور بانتظار دورنا، ولا نهتم بإشارة المرور، إن لم يكن جانبها شرطي يردعنا.

نركن سياراتنا عشوائياً غير عابئين أن نعرقل السير، أو نأخذ نصف مساحة الرصيف أو حتى كلها إن أردنا؛ فآخر اهتمامنا هو العابر الذي عليه معظم الأحيان أن ينزل الشارع، ويتخلى عن الرصيف المسدود بالسيارات كي يتمكن من متابعة طريقه!

ومثلنا يفعل سائقو التاكسي والمكرويات؛ فهم يتوقفون للراكب المترجل أو الصاعد كيفما اتفق، غير عابئين أنهم حجبوا عن أحد المارة رؤية السيارات القادمة، وهو على وشك اجتياز الشارع، أو منعوا سائق سيارة أخرى من مراقبة الطريق قبيل عبوره عند المنعطف!

وطبعاً، ولأننا نكره النظام؛ فأولوية المرور عندنا معكوسة، وهي لسائق السيارة وليست للماشي على قدمين!

أما أكبر عيوبنا على الإطلاق، وربما سبب كل المظاهر السلبية الآنفة الذكر؛ فهو عدم حبنا فعلاً لبعضنا البعض.. بل إنه السبب الأساسي لتحكم عصابة آل الوحش بنا على مدى عقود من عمرنا!

لقد عملت في دمشق لدى هيئة أجنبية، ورأيت كيف يتبارى الموظفون السوريون فيها للحديث السلبي عن بعضهم البعض، ليس لبعضهم البعض؛ بل للموظفين والرؤساء الأجانب!

وفي حين كان كل منهم يتبارى بنشر الغسيل الوسخ، متوهماً أنه بذلك يعزز مكانته أمام الزميل أو المدير الأجنبي بالنميمة على أخيه السوري، كان ذلك الموظف الأجنبي يزداد احتقاره لنا، واستهزائه بنا وتطاوله علينا، فنحن لسنا أهلاً لثقته طالما أننا نلوك بعضنا بعضاً أمامه!

وأما أولئك الأجانب من الزملاء؛ فلم يكن أحد منهم يتحدث أبداً عن الآخر بالسوء من وراء ظهره مهما يكن!

وقد عاينت الوضعين بنفسي؛ إذ كان لي عند التحاقي بالعمل الجديد مدير رائع منفتح الأفق، وعندما انتهت فترة مهمته جاءت منصبه سيدة متزمتة دينياً لدرجة أنها سألتني مباشرةً ما هو ديني، لتطمئن من ناحيتي أو لا تطمئن!!..

وبما أني استهجنت سؤالاً غير المتوقع ممن هو في موقعها؛ فقد أجبتها: أنا مؤمنة بالله، وهذا يكفي!

أخبرت بذلك زميلتي السورية الأكبر مني، والتي توهمت مرة أنها مثلي بالتفكير، متوقعة منها الكتمان على أساس أننا سوريتين، لكنها أوصلت للمرأة الذي هي من دينها (وعذراً لذكر ذلك لكنه مهم في هذا السياق)، وعرفت من المديرة الأجنبية ما أوصلته لها عن لساني زميلتي السورية!

لكن عندما أخطأ أحد الموظفين الأجانب خطئاً شنيعاً ذو تبعات خطيرة على مجال عملنا الدبلوماسي، لم يفتح أحد زملائه من جنسيته فمه بالسوء بالحديث عنه، وربما أن المديرة أنّبته أوعاقبته، ولكن ليس بعلمنا أبداً!

وهكذا كان الحال، إذ استلم حافظ زمام أمور البلد بالغدر والخديعة؛ فمكنّاه منا، إذ غدر الناس ببعضهم بعضاً، ولهثوا ركضاً وراء مصالحهم الضيقة؛ فساعدوه هو وعصبته على امتطاء ظهورهم، بكيدهم لبعضهم البعض، ومسحوا جوخه وتركوه يعبث بهم وبأقدارهم ذلك العبث الخطير الذي نحصد الآن نتائجه المدمّرة!