بوكر…بالكيماوي

د أحمد الشامي – باريس – بيروت اوبزرفر

يبدو من الصعب فصل مذبحة اﻷربعاء اﻷسود عن اﻹطار الذي وقعت به وهو “الخناقة” الباردة بين “أزعر” موسكو من جهة والرئيس “اوباما” من جهة أخرى.




هناك بعض التسريبات المقصودة حول أن “قرار اللجوء ٳلى السلاح الكيماوي لم يأت من اﻷسد شخصياً، فنظام اﻷسد يترنح ولكنه ليس في وارد السقوط بعد…”. ٳعدام عقيد ومجموعة من ضباط الصف في مطار المزة بعد يوم من القصف بالكيماوي بتهمة الخيانة كان ربما ﻹلصاق الجريمة بهؤلاء وتبرئة اﻷسد شخصياً أو أقله لخلط اﻷوراق.

أياً يكن اﻷمر، فالمذبحة هي عملية مشتركة بين نظام العصابة في دمشق وروسيا وٳيران.

مشاركة اﻹيرانيين مؤكدة ﻷن الخلطة من تصميمهم وتركيبهم وﻷن القذائف التي استعملت كانت معدلة من قبل العدو اﻹيراني. النظام استعمل خلطة من تصميم ٳيران تحتوي على غاز السارين وعلى غازات لمكافحة الشغب بحيث يتم التمويه على آثار السارين.

من جهة ثانية، من المحال أن يتخذ الرئيس الوريث قراراً كهذا دون الرجوع لحليفه الروسي ودون ضوء أخضر من “بوتين” شخصياً.

هناك احتمالان لا ثالث لهما في خصوص المذبحة:

اﻷول هو أن اﻷسد هو من اتخذ قرار اللجوء ٳلى السلاح الكيماوي بهدف تحقيق انتصار حاسم على الثوار ولرفع معنويات جنوده المنهارة. البعض يظن أن استعمال الكيماوي جاء للرد على تهديد باجتياح دمشق انطلاقاً من الغوطة، لكن ليس هناك من تأكيد على أن نظام اﻷسد لم يكن قادراً على مواجهة هذا الاجتياح بحيث لا يبقى له من مخرج سوى السلاح الكيماوي.

آخرون يظنون أن الضربة الكيماوية جاءت انتقاماً “لمذابح” تعرض لها العلويون مع بدء معركة الساحل حيث قتل حوالي 724 شخصاً رفض النظام الاعتراف بأنهم وقعوا ضحايا لجماعات ثورية غير منضبطة. الاعتراف بوقوع مجزرة ضحاياها من طائفة النظام يعادل الٳقرار بعجز اﻷسد عن حماية عصبيته ويؤجج البعد الطائفي للنزاع وهو حالياً ليس في مصلحة العصابة الحاكمة في دمشق والتي لازالت تحلم بالعودة لحكم “كل” سوريا.

هناك مكاسب استراتيجية عدة للأسد من اللجوء للكيماوي فهو “انتقام” مثالي ورادع وهو أقرب طريق لسحق اﻷكثرية الثائرة. ٳن ضمن اﻷسد غطاء روسياً واستناداً ٳلى تجربته مع الرئيس اﻷسمر وخطوطه الحمراء فاللجوء ٳلى “الكيماوي” سوف ينهي الثورة بحسب رأي اﻷسد ولا بأس من “ٳزعاج” الرئيس اﻷسمر قليلاً.

هل يريد اﻷسد ٳحراج السيد “اوباما” وفضح عجزه وماهي مصلحته في ذلك؟

بحسب بعض المحللين، ليس للأسد حالياً من سبب “لمجاكرة” الرئيس اﻷسمر “المسالم” و”المساير” والذي سمح له باستعمال كل اﻷسلحة وحتى الكيماوي “لكن بحنية ودون مبالغة”.

استفاقة العم سام على المجزرة السورية بعد صدمة الكيماوي هي احتمال ضعيف لكنه يبقى ممكناً وهذا ما يحيلنا ٳلى الاحتمال الثاني: أن يكون قرار الضربة الكيماوية قد أتى من صلب النظام ولكن من دون موافقة اﻷسد. هذا لا ينفي مسؤولية اﻷسد عن الجريمة فهو يبقى مسؤولاً عن كل ما تقوم به قواته.

بحسب تسريبات أجهزة الاستخبارات، فقد اتصل أحد المقربين من بشار غاضباً بقيادة الوحدة المسؤولة عن القصف وهو في حالة هستيرية متسائلاً “عن اﻷحمق الذي استعمل الكيماوي؟”، فهل تمت العملية دون علم “بشار”؟

لا نقول أن اﻷسد “لايفعلها” فهو يستعمل الكيماوي باستمرار ﻷغراض تكتيكية وبالتقسيط، لكن وبرأي بعض المصادر العسكرية، فلا مصلحة للأسد الآن في استعمال سلاح يوم القيامة حين لاتعاني قواته من هزائم منكرة وفي وجود خبراء دوليين وحين يكون الرئيس اﻷسمر “محكوراً” في الزاوية بسبب تخاذله.

الاحتمال الثاني يوصل ٳلى نتيجتين، اﻷولى هي تهديد الدور الوظيفي لبشار الذي فقد دوره اﻷول “كحامي حمى الاحتلال اﻹسرائيلي في الجولان” وبقي له أمر ٳدارة واستكمال تدمير سوريا بشرط أن لا تتسرب أسلحة الدمار الشامل السورية ٳلى أيدي غير مسؤولة.

النتيجة الثانية أخطر بكثير ومؤداها وجود مراكز قوى في السلطة لاتخضع لقرارات اﻷسد ولاتطيعه، قادرة على الوصول ٳلى السلاح الكيماوي من جهة وقادرة على التنسيق مع اﻹيرانيين “أصحاب الخلطة” دون المرور ببشار. يبقى معرفة ٳن كان لهؤلاء “رأس مفكر” قد يصبح مستقبلاً بديلاً للأسد، أو صلات مع “بوتين” بغرض تأمين غطاء دولي لجريمتهم؟

الموقف الروسي بعد الجريمة يشي بأن للروس يداً في المجزرة وأن قرار اللجوء ٳلى الكيماوي ربما أتى من “بوتين” نفسه في ٳطار لعبة “البوكر” الدموية التي يلعبها شبيح الكرملين مع الغرب.

في لعبة “البوكر” يحاول كل لاعب معرفة أوراق القوة التي يمتلكها خصمه، لذلك يمارس “البلف” من أجل أن يفرض على غريمه أن يكشف أوراقه. مذبحة الكيماوي في جوبر أتت في أنسب اﻷوقات لشبيح “موسكو” الذي قام باستغلالها ٳلى أبعد الحدود، بدءأً من تعطيل مجلس اﻷمن وانتهاء بتصريحات “لافروف” القائلة “ٳن روسيا لن تحارب أحداً”.

بلغة “البوكر” تصريحات “لافروف” تعني أن اللاعب الروسي “مرر دوره” وهو يطلب من اﻷمريكي أن يكشف أوراقه و”ليتفضل ويرينا شطارته…”.

هل يستدعي “بوتين” تدخلاً أمريكياً فاعلاً في سوريا؟ يبدو الرد ٳيجابياً بحسب المعطيات المتوافرة، ففي مثل هذا التدخل الخير كله للروس.
التدخل اﻷمريكي سيكون مبدئياً خارج مجلس اﻷمن بفضل الفيتو “المزدوج” وسيسمح لبوتين “بالجعير” ضد “التدخل اﻷمريكي واحتلال بلد مستقل لتغيير نظامه بالقوة”. أي ضربة أمريكية لسوريا، ولو للحد من دموية اﻷسد، ستسمح لقاطن الكرملين بالقول “هاهي أمريكا تغزو بلداً عربياً مسلماً آخر” واﻷكيد أن الجماهير التي لاتقرأ وتكتفي بردات الفعل العفوية لن ترى اللعبة الروسية وفي النهاية سوف تتأجج المشاعر المعادية ﻷمريكا حتى لو قام اﻷمريكيون بتحرير السوريين من نير اﻷسد والولي الفقيه! أليس هذا ما حصل في العراق بعد صدام؟

التدخل اﻷمريكي سيكون “فاتحة خير” على بوتين الذي يريد ٳغراق اﻷمريكيين في “المستنقع” السوري مما يعني استمرار تورط العم سام في مقاتلة اﻹسلام الجهادي.

هذا التدخل قد يكون في مصلحة أطراف داخل نظام اﻷسد تبحث عن مخرج من اﻷزمة وتعتبر أن التدخل اﻷمريكي سوف يكون أرحم من الهزيمة الآتية لامحالة على يد الثوار فاﻷمريكيون سيقومون بحماية “اﻷقليات” ومنها طائفة اﻷسد.

“بوتين” يراهن على ضحالة الفكر الاستراتيجي لدى السيد “اوباما” وعلى عجزه عن الارتقاء ٳلى مستوى التحدي واستشراف المستقبل خارج ٳطار أنانيته ومستقبله الشخصي. وفق تقديرات “بوتين” هناك احتمال أن لايفعل السيد “اوباما” أي شيء ويستمر في “دراسة” الموقف. هكذا يفوز الروسي دون أن يرمي أي ورقة ويحافظ على نظام بشار ويؤسس لسابقة يمكنه البناء عليها في مواجهات مقبلة مع الشيشان أو حتى مع “جورجيا”.

بحسب تقديرات “الكرملين” سيبقى “اوباما”، ٳن تحرك، مخلصاً لمحدودية تفكيره، وسوف يكتفي بضربة تؤلم اﻷسد دون أن تسقطه بعد “طمأنة” هذا اﻷخير أن الموضوع لايعدو كونه “رفع عتب”. سوف يكتفي “اوباما” بتدمير الدفاعات الجوية السورية وبعض اﻷهداف ذات القيمة المعنوية، وربما يقوم اﻷمريكيون بتدمير القطعات التي ساهمت مباشرة في الضربة الكيماوية دون المس بالقدرات القتالية للوحدات المخلصة للأسد.

يعتبر “بوتين” أن الضربة اﻷمريكية، ٳن وقعت المعجزة وحصلت، سيكون لها هدف استراتيجي هو السماح “لاوباما” بممارسة هوايته المفضلة في قصف الجهاديين بالطائرات دون طيار. هذه الطائرات التي يحتاج استعمالها لتدمير قدرات الدفاع الجوي لدى اﻷسد…

هكذا، سوف يتورط “اوباما” في الحرب السورية بشكل متدحرج عبر قصف مواقع القاعدة هناك، وهو ماسيكون في النهاية في مصلحة اﻷسد و”بوتين”…

بٳمكاننا أن نفترض أن الرئيس “اوباما” لديه، هو أيضاً، أوراق ضغط لم يستعملها بعد، أولها هو قلب الطاولة…وهو ما فعله حين لجأ ٳلى “الكونغرس” من أجل ضربة محدودة من حيث المبدأ تدوم يومين أو ثلاثة وفي حين لايحتاج لموافقة الكونغرس قبل شهرين من بدء اﻷعمال القتالية…

السيد “اوباما” يقوم يومياً بضربات محدودة في جهات الدنيا اﻷربع يسمح بها “الباتريوت اكت” ودون الرجوع ﻷحد، فلماذا يقرع باب “الكونغرس “هذه المرة؟

التفسير هو أن السيد “اوباما” أراد، هو أيضاً “أن يمرر دوره” دون كشف أوراقه وبحيث يكسب أوراقاً جديدة ٳن أمكنه ذلك… أو يخرج مرفوع الرأس “بشكل ديمقراطي” بعد القول ٳن “الشعب اﻷمريكي هو من يرفض التورط في سوريا…”، فرد عليه “بوتين” بٳرسال وفد من “الدوما” ﻹقناع ممثلي الشعب اﻷمريكي بالتصويت ضد قرار رئيسهم!! وهو ما يعادل، منطقياً، حث النواب اﻷمريكيين على الالتفاف حول الرئيس…

بٳمكان هذه اللعبة أن تستمر طويلاً، فالدم المراق هو دم سوري في كل الحالات ولا أحد يبالي بمصير هذا الشعب الذبيح.

يبقى هناك عنصر مجهول وهو أن الضربة القادمة، ٳن حصلت، ستكون ضربة مشتركة بين أمريكا وحلفائها المحليين، وهؤلاء لايمارسون ذات لعبة “البوكر” الكاذب التي يهواها “بوتين” والتي انجر لها السيد “اوباما”.

ٳن كانت هناك مفاجآت على الصعيد العسكري في سوريا، فهي لن تأتي، على اﻷغلب، من أمريكا، بل من حلفائها، وهذا ما يفسر زيارة السلطان “قابوس” لطهران.

حين يزور رجل من وزن عاهل “عمان” عاصمة الولي الفقيه، فهذا يعني أن أوقاتاً عصيبة تنتظر نظام العصابة في دمشق.