المزحة الأميركية السمجة !! – عمر الفاروق النخال (*)

إنتقاد خفة وسذاجة الولايات المتحدة الأميركية في مقاربة الملف السوري هذه الأيام، لا تعني بالضرورة حث هذه الإدارة على انتهاج الخيار العسكري أو التهليل للضربة الأميركية التي أكد تأجيلها بما لا يقبل الشك أن الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على مجرد قراءة المشهد الدولي والإقليمي حتى إشعار آخر، بفعل وجود إرادات مصرة حتى الساعة على بقاء نظام بشار الأسد رغم هول المجازر والمذابح والإرتكابات الدامية اليومية.

لم تكن مجزرة السارين في الغوطة الشرقية سوى محطة واضحة من محطات اختبار الولايات المتحدة في امتحانات الإنسانية وحقوق الانسان وحماية الطفولة التي ملأت بها الدنيا تنظيرا، فإذ بها تفاجئ كل العالم بمزحة سمجة لن تتوقف تداعياتها عند تراجع هيبة الموقف الأميركي فحسب، إنما ستتوسع  لحدود الوصول الى يوم ستختفي فيه عبارة “الحل السياسي” لتحل كل الخيارات العنفية أمرا واقعًا لن تكون الولايات المتحدة الأميركية قادرة أمامه على القيام بدورها الإطفائي حتى من خلال عمليات بيع الكلام والمواقف والتماهل.




سماجة المزحة الأميركية حيال الملف السوري تكمن في أنها شرعت الأبواب واسعة أمام كل أصناف الفوضى وكل أصناف الضجيج، على نحو باتت فيه سيناريوهات النظام السوري مقبولة في التداول الإعلامي والسياسي ومسموح وضعها أمام صور المجازر والشهداء للقراءة والتدقيق، وكأن مجزرة السارين مثلا تجاوزا غير متوقع من نظام استخدم في حملة إبادة شعبه الحرق والذبح والتدمير!!

هذه المزحة السمجة لن تؤخر الحلول المنشودة لمجازر مفتوحة منذ أكثر من سنتين ونصف فقط، إنما ستؤخر مع الأسف إيمان كل مراقب ومتابع بنهاية مماثلة لما كانت عليه انتفاضات وثورات تونس ومصر وليبيا واليمن، ستؤخر الإيمان بأن الغد هو لصوت الشعب السوري وارادته الحرة، ستؤخر الإيمان بأن الأولوية اليوم هي للملف السوري رغم كل الزحام السياسي والإقليمي القائم وهذا لن يطيقه ثوار سوريا طويلا!!

كان يمكن للولايات المتحدة الأميركية البقاء على صمتها وتماهلها عوض مزحتها السمجة التي عكرت أرضية المعركة ووضوحها بين نظام قاتل وثوار منتفضين على حالة القتل والقهر والتدمير، غير أن ما جرى لم يكن أكثر من صفعة للثورة السورية لم تحمِ ظهر النظام السوري فقط، إنما أوجدت مساحة لا بأس بها لاستقطاب المترددين وتوسيع مروحة تشويشهم على كل الثورة عامة وعلى تطلعات وهواجس ومشاريع الثوار بشكل خاص سياسيا وإعلاميا!!

مع ذلك وعلى الرغم من كل المشهد الضبابي الذي يظلل آفاق هذه الثورة، يبقى مكان لتساؤل كبير لا يضر الثورة السورية بشيء طالما انها غير مستحية بانتفاضتها الشعبية والمسلحة، ولا يضر الولايات المتحدة الجاهزة على ما يبدو لتلقف كل المستجدات بالنفس المصدوم المتفاجئ، فهل يكتب للثورة السورية أن تُحسم على أرض الميدان بعيدا عن هدوء غرف التباحث والتداول الدولية؟؟

إرادة الثورة تقول نعم حتى الساعة،  والتردد الأميركي لا يمانع خاصة وأن لكل خيار خطاب جاهز على طاولة المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، فإن طالت الأزمة خطاب التماهل جاهز، وإن حُسمت فليس جديدا على الرئيس باراك أوباما الذي توقع عدم سقوط الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك قبل اقل من ساعة على خلعه أن يطل مرة أخرى ليرد تفاجأه الى إنتصار إرادة الشعب السوري !!

مرة أخرى عادت الثورة السورية الى مربع الترقب والانتظار !!

(*) إعلامي