عدم الإستسلام لأوهام ضربة عسكرية قوية – دومينيك دو فيلبان – رئيس وزراء فرنسا السابق – الجمهورية

يعدّ الحلفاء الدوليّون العدَّة لتدخّل عسكريّ حاسم ضدّ نظام بشّار الأسد. من هذا المنطلق يميل رئيس وزراء فرنسا السابق، لتدخّلٍ ذي طابعٍ إنساني يدرأ الخطر عن الشعب السوري.

أجمعَ العالم على شجب المجازر الكيماوية التي ارتُكبت في سوريا. وإزاء هذا الوضع الإجرامي، ليس هناك سياسة أسوأ من البقاء مكتوفي الأيدي. ولكن هل من المنطق اعتماد سياسة الأسوأ عبر إضافة حرب جديدة الى الحرب الحاليّة، وأيضاً من دون براهين مقنعة ولا استراتيجية ممنهجة؟




لا شكّ في أنّ قرار الرئيس فرنسوا هولاند وحلفائه، يستحقّ الثناء. ولكن ما هو الهدف الذي نسعى إليه؟ معاقبة النظام السوري؟ ولكن لا يحقّ للجيش أن يقوم بذلك بل المحكمة الدولية.

قد يُخفّف التدخّل العسكري من حدّة تأنيب الضمائر؟ لكنّه في المقابل، قد يؤدّي الى تفاقم وضع المدنييّن ويزيده سوءاً وتعتيراً.

هل في نيتنا تغيير النظام؟ قرار كهذا لا يعود إلينا، خصوصاً في ظلّ غياب بديل يُعوَّل عليه. والحال هذه، يتوجَّب على المجتمع الدولي أن يضع نصب عينيه حماية المدنيين في الدرجة الأولى. ولكن كيف يجب أن تكون حماية المدنيين همَّ المجتمع الدولي الأوّل والوحيد؟ إذاً لا بدّ أن يدفعنا ذلك للتفكير بالتجارب السابقة. فالاستراتيجية الغربية المنتهجة في الشرق الأوسط، كانت وما تزال طريقاً مسدوداً مبنية على استخدام القوّة التي لطالما ندّدتُ بها وشجبتُها مراراً وتكراراً. وهي تتأرجح ما بين الحرب على الإرهاب والحرب ضد الطغاة. ونحن نريد دمج الهدفين والقضاء عليهما معاً. ولكن لم يكن هذا الحلّ ناجعاً ولم يؤدِّ الى إرساء السلام ولا الديمقراطية. فاحتلال العراق أفضى الى إفلات لجام الإرهاب الى أقصى درجات الفلتان، فيما التدخّل العسكري في ليبيا أتاح التسليح بشكل مباشر وغير مباشر لجميع الجهاديين في الصحراء، ونجم عن ذلك حرب جديدة في مالي.

يجب ان نعلم أنّ الحلقة المفرغة لا تتوقف عن الدوران هنا، بل تستمرّ وتستَعر، والدليل: أنّ فكرة تنامي قوّة الاسلاميين في مصر ارعبتنا، فأقدمنا على شحذ النفوس بهدف جرّها الى إنقلاب جديد، وهذا ما حصل. حسب رأيي، خطوة كهذه اعتبرها أرضاً خصبة لإنبات طغاة أشد وأدهى في المستقبل. فلنتّعظ إذاً ولنستفِد من دروس حلّ الأزمات وفضَّها بالقوة.

أمَا رأينا كيف انهارت الدولة في ليبيا والعراق وأفغانستان، وكيف تزعزع استقرار المنطقة؟ وهناك ايضاً فخّ ثانٍ ويكمن في إضعاف النظام العالمي القائم على المبادئ الانسانية المشتركة.

وهذا هو بيت القصيد. فمنذ حرب العراق، نجادل ونناقش في ما هو قانونيّ وما هو شرعي.

فمن جهة نواجه استخفاف الأشخاص المدافعين عن القانون من دون الشرعية فيعودون بنا الى العام 1945. ومن جهة أخرى، هناك مثالية – مشكوك فيها- الذين اختاروا الشرعية من دون القانون. ما العمل إزاء ذلك؟ من الوضح أنّ الوضع السياسي العالمي”مكانك راوح” ولا منفذ له ولا مبادرات تدفع به الى الأمام، فيما مؤتمر جنيف 2 دُفن حتى قبل أن يولد، ولقد ساهمت فداحة الجريمة الكيماوية المرتكبة في إجهاضه قبل أوانه. هذا المؤتمركان من المفترض ان يضمّ الاطراف السورية والاقليمية الممسكة بمفاتيح الحلّ. بيد أنّ الطرفين السوريين، النظام والمعارضة يرفضان الاتفاق، ولا يستطيع في المقابل أيّ منهما فرض شروطه على الآخر.

وكذلك الأمر بالنسبة الى الاميركيين والروس، حيث يبدو اتفاقهما من سابع المستحيلات، ولا يمكن ان يتمّ شيء من هذا القبيل قريباً. لذا لا يبقى أمام أميركا وحلفائها سوى اللجوء الى القوّة وهي الخيار الأسوأ.

وها هو العقاب الرمزي يلوح في الافق ويتهدّد المناطق المجاورة بالدمار الشامل، يأتي في المقدّمة لبنان ثمّ إيران واسرائيل. دمار شامل وخراب كامل، مقابل ماذا؟ لن تكون النتيجة سوى منفعة ضئيلة بالكاد تفيد الشعب السوري.

من الضروري أن نتحسّب، الى أنّ التدخل العسكري في سوريا، سيؤدّي الى التفتت العرقي وسيرفع الراديكاليون المتطرّفون سقوفهم السياسية الى أقصى الحدود وستُمحى سوريا من الوجود. فهجومات الطيّارات من دون طيّار على الاشخاص المسؤولين عن المجزرة الكيماوية هي حسب المنطق، حرب جديدة ضدّ إرهاب “اميركة اوباما”.

ولكن هل يمكن قتل المجرمين من دون إخضاعهم للعدالة الدولية؟ أهو هجوم واسع النطاق هدفه تغيير النظام أو الحرب بالوكالة من خلال تسليح المعارضة؟ ولكن أنّى لنا أن نعلم في وجه مَن سيحوّل المتمرّدون تلك الأسلحة غداً؟

يبقى هناك حلّ واحد، ألا وهو العمل والتحرّك على الصعيد الانساني من خلال دمج “المعدّات” العسكرية والسياسية معاً لخدمة استراتيجية من شأنها أن تدوم طويلاً: يجب لحظ ممرّات اإسانية ومناطق عازلة على الحدود، ولا سيّما استحداث منطقة حظر جوّي. برأيي أنه الحلّ الوحيد لتلافي المجازر وحماية الأبرياء. ومن خلال تقليص رقعة العنف، تتوافر لدينا شروط التدخّل المثالية. من هذا المنطلق، يتعيّن علينا أحيانا إيثار السياسة “الأقل سوءاً”. ويمكن اليوم ترجمتها بقرار من الأمم المتحدة بدعم من دول الجنوب لإقامة منطقة حظر جوّي، فضلاً عن قوة حفظ السلام. وأظن أنّ ذلك ممكن. ومن المحتمل أن يوافق الروس عليه.

وبناءً عليه، سوف تُتاح الفرصة للمجتمع الدولي لإعادة إطلاق المفاوضات السياسية وإشراك القوى الاقليمية العظمى وجامعة الدول العربية وتركيا وإيران ودول الخليج بها. لذا يجب عدم الاستسلام لأوهام ضربة عسكرية شديدة لأنّها ستزيد المشاكل في المنطقة وتجعلها تتفاقم.

فلنختَر إذاً طريق السلام والمسؤولية الجماعية.