//Put this in the section //Vbout Automation

المجنون والمِئْذَنة – الوزير السابق جوزف الهاشم – الجمهورية

من الضاحية العصماء الى طرابلس الفيحاء رسائل حمراء وتحايا، يحملها الحمام الزاجل من قلعة القرصان الأحمر.

السلطة والقيادات والأحزاب والمسؤولون كلُّهم استنكروا وأعلنوا الحداد، وعند حدود الحداد والإستنكار والوقوف على الأطلال، يتوقّف القرار وتنتهي المسؤولية بالرحمة على من مات.




كلُّهم استنكروا وحدُّوا واستغفروا، وحتى القَتَلة أرسلوا برقيات التعزية لأهل الفقيد ومشوا دامعين في الجنازات. وحدهم، رجال الدين كان تفجّعهم صادقاً، وتلاقت صرختهم مع ثورة الشعب في شنّ حملة ضارية على السياسيـين الذين أمعنوا في تعميق الإنقسامات وتأجيج الغرائز والفِتَن. ومن معابر شق الصف تتسلَّل عربات الموتى فيما الجلاّدون محصنون في أبراجهم.

السياسيون هم المتهمون بالتفجير، وليسوا أبرياء حتى تثبت إدانتهم عملاً بالمفهوم القضائي، بل هم متَّهمون مدانون عملاً بالمفهوم العقلي الذي يعبّر عنه جبران خليل جبران بالقول: “بين الناس قتَلَةٌ لم يسفكوا دماً، ولصوص لم يسرقوا شيئاً، وكَذَبة لم يقولوا إلاّ الصحيح”.

عندما تستهدف السيارات المفخخة المساجد والمصلّين كما هي الحال في العراق، فهذا يتخطى “العرقنة” الى إعلان الحرب على الله. وعندما تُصوَّب التفجيرات على مسجد أُطلق عليه إسم “التقوى” ومسجد آخر يحمل إسم “السلام” فهذا يعني: أنَّ على التقوى وعلى الإسلام السلام، وعلى الدنيا السلام، وعلى الإنسان السلام، في أرض محروقة هي أشبه بالقبور المتنقلة تحت أجساد الآدميين.

هل يبشركم المسؤولون والمنجِّمون بأن في كلِّ ليلة من ليالي عبد الحميد ستفوح رائحة الموت، وتتفجّر السيارات في المساجد والكنائس والساحات، وما عليكم إلاَّ أن تحملوا حقائبكم وترحلوا ولا تقتربوا من البوسفور أو من الغاز الكيماوي وهو يتسرب الى أنفاسكم؟

وهل يبشرونكم بأنَّ عين السماء ترعاكم وعين الأرض عوراء، وليس هناك من رادع للعنف ما دامت الحكومة صنَماً برسم التصريف أو برسم التكليف، وما دام السياسيون مستمرين بالتزييف، والدولة بكل أجهزتها أصبحت رمزاً محنَّطاً وجماعة من الطوباويين الكذبة يعملون فساداً في الأرض ويتوقعون جزاء في الآخرة؟

أيها اللبنانيون: ها هو إبن الضاحية يخاطب إبن طرابلس “إن في جرحك النازف بعضاً من دمي”… فكُّوا الحداد إذاً، ومزِّقوا الأثواب السود لأن إنقاذ الوطن لا يكون بالحداد بل بالجهاد، فالظرف ليس ظرف المناحات والبكاء واللَّطْم على الخدين، والمناسبة ليست مناسبة الولائم في المآتم، وليس المجال مجال اليأس والقنوط وتطويق الزنود السمر بالأكمام كالقيد، وإنما الوقت قد حان لتنتفضوا على الواقع الأليم ربيعاً حضارياً، وأن تقولوا كلمتكم ثائرين، فما بالكم لا تفعلون؟

ويا أهل السياسة، يا من تتحملون مسؤولية الموت البطيء، إذا كان اللبنانيون يموتون حقاً من أجل صراعهم على هوية الله، وإذا كانوا يموتون من أجل هدف عقائدي بين اليمين واليسار، ومن أجل الديموقراطية أو الديكتاتورية والإشتراكية، لتركناهم يتحملون مختارين ثمن خياراتهم.

أما أن يكون الموت نتيجة انقسامكم وأهوائكم وارتهاناتكم ومخابراتكم ومختبراتكم التي تحلّل الدم اللبناني في فصيلتين مختلفتين، فإذا كريات الدم الأبيض في الضاحية، وكريات الدم الأحمر في طرابلس والدم قد يكون أسود في كسروان. وأما أن يكون الموت من أجل الموت ولا يصيبكم إلا ما كتب السيف لكم، وأن تكون إراقة الدم من أجل التلذّذ “النيروني” بالدم. وأن يكون هناك أبرياء كثيرون لا تزال أسماؤهم مدرجة على اللائحة، فهذا والله كفر وجنون، والجنون بالجنون يداوى كمداواة الداء بالداء.

ماذا لو استشهدنا بذلك المجنون الذي صعد الى المئْذنة ولم يستطع أي عاقل أن ينزله إلا عندما جاء مجنون آخر يهدد بنشرها وفي يده المنشار، فأي عاقل هذا، يرضى بأن يبقى مصيره محتوماً في قبضة المجانين ولا يصبح هو مجنوناً يهدد على الأقل بنَشْر المئذنة.