الحرب الثقافية على الجبهة السورية – جهاد الزين – النهار

إذا كانت “الثقافة السياسية” مسرحاً لرصد التحوّلات الآنية في هذه اللحظات من “حبس الأنفاس” على الجبهة داخل وحول سوريا، على غرار رصد أنواع الصواريخ الأميركية وطاقتها وحدود الضربات هل هي تكتيكية أو استراتيجية، هل تؤدي إلى إضعاف النظام السوري فقط أم إلى انهياره وبالمقابل ما هو “الرد” الروسي غير المباشر والقدرات الإيرانية الفعلية والوهمية…

إذا كان يمكن رصد الثقافة المواكبة لطبول الحرب كما تُرصَد الترسانات العسكرية، فإن المعطيات التي تتوفّر على “الجبهة الثقافية” من حيث الأفكار التي يتبادلها حملة الأقلام-السكاكين هي كالتالي:




“القوة النارية” الأعلى في العالم والمنطقة هي لمؤيّدي الهجوم.
إسم هذا الهجوم في لغة المؤيدين هو الهجوم على النظام السوري. بينما إسمه لدى المعارضين للهجوم هو الهجوم على سوريا: إنها لعبة قِيَميّة قديمة لدى “الفريقين”.

الشعار الأساسي لدى مؤيّدي الهجوم هو “وقف المذبحة” أو النزيف. الشعار الأساسي لدى المعارضين هو “الحرب العالمية على سوريا”.

في جعبة مؤيدي النظام ترسانة كاملة من إعادة استحضار مصطلحات كانت لها قوتها الشاحنة في التعبئة السياسية في تاريخنا الحديث ولكن تبدو اليوم وكأنها أسلحة فتاكة وإنما قديمة “عسكريا”، أي فقدت فَتْكِيّتَها، يعثر عليها الراصد لثقافة الحرب في ركن مستودع ما في صحيفة أو إذاعة أو قناة تلفزيونية في القاهرة أو بيروت أو على صفحة فايسبوك لمهاجر يمني أو عراقي أو جزائري في أوروبا تجاوز الستين من عمره: العدوان الثلاثي (على مصر عبد الناصر)، الحرب العربية الإسرائيلية، سايكس بيكو الجديد.

الذي لم يصبح بعد ترسانة قديمة هو مصطلحا: “المقاومة والممانعة” اللذان يشكّلان أعلى قذائف الجبهة المؤيدة للنظام السوري.

بالمقابل فإن القنابل التعبوية الأكثر انفجارا منذ اندلاع الحرب السورية هي: “نظام الاستبداد”، “النظام الذي يقتل شعبه” ومشتقّات المصطلح الوافرة.
ومع أنها حرب ثقافية فإنه لا قيمة حوارية جدية لها لأنها ثقافة حرب. وفي ثقافة الحرب، أو ما كان ثورةً وأصبح حرباً، لا أحد يحاور بل يطلق الرصاص اللغوي أو الناري.

في هذه الحرب الثقافية بعض الخجل غير المعلن على جبهة مؤيّدي الضربة الأميركية وبعض الذعر غير المعلن على جبهة معارضيها.
لكن الذي يلفت في الحرب الثقافية الحالية هو تجاهل الأسئلة الصعبة داخل كل جهة. فعلى جبهة مؤيدي النظام لا جواب عن الإرث الأمني العنيف للنظام ولا عن الصيغة التي يقترحها(جديا) لسوريا المستقبل ولاسيما مستقبل الطائفة العلوية في هذه الصيغة، وعلى جبهة أعداء النظام لا أجوبة (جدية) عن مستقبل وحدة سوريا ومصير الأقليات ونوع التحالف مع القوى الدينية ومراجعها العربية.

لائحة الرصد لا تنتهي لأن الحرب الثقافية في أشد مراحلها اندفاعا. من ميزاتها “عشية الضربة” (أية ضربة؟) أنها ليست فقط حربا كلامية بل إن ثقافة الصمت فيها مُهمّة، أي غير المعلن مشاعرَ وطموحاتٍ، هنا وهناك.

لكن الأساس – في ما أظن – أنه في هذه الحرب الثقافية ثمة ثقافة سياسية تموت وواحدة تولد. وسيكون لجيل الدياسبورا السوري والعربي، وهو جيش الحرب الثقافية الرئيسي على جبهة أعداء النظام، دور مهم جدا في “الأفكار-الفوضى” الجديدة لأية صورة سترسو عليها الثقافة السياسية السورية.(الحالة العراقية والحالة الأفعانية؟).

الحرب في سوريا تقول لنا أننا في عالم جديد يجب معه الانتباه إلى أن منظومة اللغة القِيَمّية القديمة لم تعد تملك قوتها الردعية السابقة حتى لو أنها لم تمت بعد. فليس من موتٍ نهائي في الثقافة.

الشباب والمثقفون المصريون أوجدوا معادلة قوية ووهمية وعميقة في آنٍ معا يجب درسها تماما على المستوى الأخلاقي التعبوي. فقد نجحوا في إبقاء عبد الناصر رمزاً وطنيا ملهما مع أن جوهر ثورة ميدان التحرير هو إسقاط النظام العسكري الذي أسّسه الرئيس عبد الناصر! كيف ينجح ذلك؟ لا بد أن الأجوبة موجودة ولكن المفارقة تظل مثيرة للعجب.

تحصل في المسكوت عنه في الحرب السورية معادلات أعجب هنا وهناك. لكن سوريا الكيان الذي نعرف والثقافة التي نعرف من اختلاط الاستبداد بالخطاب الوطني والتنوير بالخطاب المعترض… قد انتهيا. زمن جديد خلاّق من التغيير والحداثة والظلامية والتفكك والتقدم والخبث يتواجه فيه ثقافياً ماضٍ متعفّن مع مستقبل مرعب.