ما بين الإستعمار والإستحمار.. أمر واقع واحد لا يتغيّر

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

 




دون سؤال ولا جواب، دون أي تشكيك، ودون أن تسقط عنها صفة الدولة الفاشلة، نحن في دولة بوليسية على غرار سوريا أيام دريد لحام وحمّام الهنا بالأبيض والأسود، دولة بوليسية فبركها النظام السوري في عز سطوته وعلى طرازه، مُعدة لحكم الصمت والغباء الإرادي، ولقمة الخبز المجبولة بالدم والتراب والخوف، دولة استحمار بدل الإستعمار، ولا مؤاخذة من الحمير إن كانوا حيوانات ام جمهور قناعة لا تفنى، استفحل الإستخفاف بعقول البشر، وبات الغباء شهادة سلطة، حجّة حكم وضرورة أَمنيَة، وكأن مسرح الأحداث وأمن المواطن يستوجبان أُميّة من نوع آخر.. أُميّة بمنطق الإستهبال وعدم التورّط، وحرية المأكول والمشروب والمنكوح والسكوت، مقاربة بسيطة ما بين الحياة وصندوق سيارة.

 

دولة البقايا العفنة تحاول استنساخ المشهد بأعلى دقة ممكنة، وما ترسّخ في لبنان المُحتَل منذ ”حافظ الأسد“، لازال يتكرر، وكأن وصي الدهر لم يرحل، وكأن عسكر الجزّار لازال هنا، وكأن أقبية الظلم والموت ما انكسرت أقفالها، ولا تهاوت جدرانها الرطبة، لازالت تحكم كرامة الناس بجزمة المخبرين والأجهزة، بنفس الذل، إنما ما كان بالأمس تهمة تُفبرك لتخوين حر، باتت اليوم حكم خيانة يستهدف الحرية ويصبغ المنطقة والطائفة، دولة البقايا العفنة تحاول استنساخ المشهد بأعلى دقة ممكنة، صورة طبق الأصل، إنما ما كان بالأمس تهمة تُسكِت سيادي وتُبعِده الى غير رجعة، باتت اليوم حكم إقصاء، ومحاولة اغتيال شريك وسيادة، ما كان يُختَصَر بين البوريفاج وعنجر، بات يُحسَم بين البندقية والشارع.

 

ما كان بالأمس ينتهي عند بوابة نظام أمني يتحكم بمفاصل الدولة، يهيمن عليها، ينتهك قوانينها ودستورها وأعرافها، بات اليوم صيغة مواجهة مجنونة، مفتوحة على كافة الإحتمالات، ما كان بالأمس ينقضي بين معتقل وسجين، بات اليوم أهون شروره القتل والدمار وخراب البلاد، ومَن لم يعلم في حرب تموز ال2006، بات اليوم يعلم جيدا أن الجريمة التي يرتكبها عن سابق تصور وتصميم، ليست مجرد غارات تشنها دولة عدوة، ولا مجرد جسور تُهدم وبنية تحتية تُدك بالقنابل، إنما هي ضربة قاضية، وجريمة موصوفة بحق آخر ما تبقى من وطن وشعب.

 

دون سؤال ولا جواب، دون أي تشكيك، ودون أن تسقط عنها صفة ”الفاشلة“، تحولت من دولة محكومة بسلاح ”أمر واقع“ غير شرعي، الى دولة أمر واقع غير شرعية تحكم بالسلاح، من دولة تُسيطر عليها ميليشيا مُسلّحة، الى ميليشيا تنتحل صفة دولة، وبين ما كان بالأمس لا يتجاوز حدود قمع الرأي المختلف وإن كان بالتصفية الجسدية، وبات اليوم لا يتوقف عند حدود تصفية الآخر المختلف كل الآخر، واقع حال يصعب على الكافر في دولة ”كفّار“ وجهلة، واستدراج لمأساة لا يُمكن وضع حد لها إلا بوضع حد لسلاح حزب الله.. اللهم إني بلّغت فاشهد.