ما بعد الديكتاتور

 

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر




 

كأن المشهد ينقصه المزيد من الدماء، كأن الجراح ينقصها المزيد من النزف، وكأن الأوطان ينقصها المزيد من الدمار، كأن القتل والموت والإستشهاد محطات حياة عادية، وكأن ربيع الشعوب ينقصه المزيد من الجنازات والمقابر، كأن الحرية ينقصها المزيد من الجثث المشوهة، وكأن الديكتاتور ينتظر مع الثورة أوان الرحيل، قد لا يكون التوصيف دقيقا، إنما فعليا هذا ما أراه في ربيع ينقصه الكثير من الإنسانية.

 

ليست صدفة أن تنتصر الشعوب على خوفها وتثور لإسقاط أنظمتها، ليست صدفة أنها حسمت أولوياتها وقررت المواجهة، وليست صدفة أبدا أن تهدم تلك الجدران العالية التي بنتها ”الديكتاتوريات“ في عقول الأجيال وعقودها، ليست صدفة أنها اتخذت قرار الشراكة الفاعلة، في أوطان ما أحست يوما أنها تمتلك فيها أكثر من حفرة، وليست صدفة أن ذلك النفق الضيّق المظلم، تحول ثورة نحو أفق مفتوح على أقصى المستحيل، ليست صدفة أن كل تلك الإستحقاقات المؤجلة اندفعت مرة واحدة الى الشارع، وتحولت سيول بشر لا صوت يعلو على صوت معركتها.

 

كل هذا صحيح، أثبتت ثورات بلاد العرب أنها ساحات حرية بامتياز، لا يمكن تجاهلها، جمعت معاناة الناس وأوجاعهم، خاضت مواجهات استثنائية في زمن لم يكن زمن مواجهات ولا استثناءات، لابل زمن معتقلات وسجون وانكسار، نعم كل هذا صحيح، إنما ما الذي تبقى من المشهد ما بعد الديكتاتور؟ ما بعد الشعارات، ما بعد الساحات وما بعد الحرية؟ ما بعد الديكتاتور.. ما الذي تبقى من ربيع الإنسان؟

 

يقول البعض أن ما بعد الديكتاتور قد تحتاج الثورات الى ديكتاتور يقودها، نظرية إفتراضية قد لا تكون مقبولة إنما معقولة جدا، فما نشهده لا يدحضها.. أي تاريخ مبهم يُكتَب لهذه الثورات، أي انتصارات لشعوبها وأي هزائم؟ أي انهيارات لبلدانها وأي قيامة؟

 

وحدها سوريا خارج المشهد، خارج الثورة وخارج معادلة ما بعد الديكتاتور، سوريا أعلنت الحرب على نفسها ولازالت تقاتل.