عن متفجرة بئر العبد .. والفتنة “النائمة”! – محمد مشموشي – المستقبل

لم تؤكد متفجرة بئرالعبد أن لبنان مكشوف أمنياً فقط، بل انه مكشوف سياسياً ووطنياً وحتى أخلاقياً كذلك. واذا كانت عناية الله، كما ذهب البعض الى القول، قد ساهمت في تقليل الخسائر، فقد بدا جلياً منذ اللحظة الأولى التي تلت الجريمة ان “عناية” البشر، والسياسيين منهم بشكل خاص، انما سعت الى أن تضيف اليها أبعاداً ربما لم تكن في نية الفاعلين أنفسهم.

فبالرغم من الاجماع على ادانة الجريمة، والاتفاق على التحذير من أنها ليست سوى “رسالة” الى اللبنانيين جميعا وربما تليها أخريات في أمكنة وأزمنة أخرى، فلم يجد البعض غضاضة (أو وازعاً أخلاقياً) في أن يربط بينها وبين ما شهدته مدينة عبرا قبل أسبوعين من جهة، وبينها وبين لقاء ممثلي قوى 14 آذار في مجدليون من جهة ثانية، وحتى بينها وبين الأسئلة التي أثيرت حول ملابسات حادثة عبرا ومشاركة مقاتلي “حزب الله” فيها والى جانب قوات النظام في سوريا من جهة ثالثة.




أكثر من ذلك، ففيما كان الجميع يرى في الجريمة محاولة مكشوفة لصب الزيت على نار الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، ويحذر من الانجرار غير الواعي اليها، كان هذا البعض ينطلق من التنديد بالجريمة ليقول كلاماً لا يخرج في كثير أو قليل عن صب ذلك الزيت على تلك النار. والأنكى، أنه يرفقه بالتحذير من الفتنة، وبأنه يعمل من جهته (وحزبه وحركته وتياره طبعا؟!) على انقاذ لبنان من احتمال الانحدار الى ذلك المنزلق الخطير.

فكيف يستقيم مثلاً التنديد بجريمة بئرالعبد والذين قاموا بها أو يقفون خلفها وأهدافها الفتنوية الصريحة، مع القول في الوقت ذاته، ومن الموقع ذاته، إن الفاعلين انطلقوا في جريمتهم من الحملة على الجيش و”حزب الله” بعد أحداث عبرا، أو من البيان الذي صدر عن اجتماع مجدليون التضامني مع مدينتي صيدا وعبرا لممثلي قوى 14 آذار، أو حتى من زيارة النائب بهية الحريري الى مدينة طرابلس؟. وماذا تعني بعد ذلك مخاطبة الناس المتجمعين حول آثار الجريمة، فضلا عن الصحافة وأجهزة الاعلام، بهذه اللغة الممجوجة؟.

بل وأين يكمن هنا، كما يقول هؤلاء أنفسهم، الحرص على الوئام الوطني في لبنان كله، ومعه طرد شبح الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، بينما يتفق الجميع على أن أول أهداف التفجير ضرب البقية الباقية من الوئام ودفع الفتنة الطائفية والمذهبية الى ذروة جديدة؟.

الواقع، أنه تحت شعار رفض الفتنة ومحاربتها يجري منذ سنوات النفخ في أوارها… تارة بالكلام الذي لا يفعل الا أنه يزيد النار اشتعالاً ويعزل المناطق احداها عن الأخرى، وتارة ثانية بالممارسة على الأرض من نوع غزوة السابع من أيار العام 2008 على بيروت والجبل وبعدها أحداث المصيطبة وبرج أبي حيدر والبسطة ورأس النبع، ودائما بما تصفه الناس ب”الخلايا النائمة” التي لا يعرف أحد متى وأين وكيف يتم ايقاظها ودفعها الى العمل.

وللأسف، فلم تكن المواقف التي تلت متفجرة بئر العبد خارج هذا السياق.
وليس من المبالغة في شيء القول إن كثيرين ممن يقطنون المنطقة هم أكثر عمقاً وادراكاً لحقيقة ما شهدته منطقتهم من أصحاب هذا المواقف، بل وحتى أنهم يرون في المواقف وأصحابها محاولة لاكتساب شعبوية رخيصة باتت بدورها مكشوفة الى أبعد حد: التعبئة ضد الغير، كل الغير من جهة، ثم العمل على بناء تلك الشعبوية على مردود التعبئة من جهة أخرى.
لكن هل يقف الأمر عند هذا الحد؟.

الحال أن اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم وتياراتهم السياسية، لا يفتأون يرددون الآن أنهم لم يشهدوا على مدى تاريخ لبنان ما يشهدونه في هذه الفترة، وأنهم لم يكونوا يظنون أنهم قد يصلون في يوم الى مثل هذا الوضع. حديث الحرب الأهلية، وحتى الفتنة المذهبية، هو الطاغي وان يكن في سياق التحذير منهما معاً والتعهد بالعمل على الحيلولة دونهما!!.

في الوقت ذاته، لم يكن يخطر في بال أحد من اللبنانيين أن يشهدوا جهة تشارك في السلطة(وتصرعلى أن تبقى فيها بالرغم من كل شيء) وهي تعلن حربها الخاصة على بلد مجاور وترسل مجموعات مسلحة منها للقتال ضد شعبه، بينما تدعي أنها تفعل ذلك حرصاً منها على مستقبل لبنان وابعاد الخطر عنه، فضلاً عن صيانة وحدته الوطنية وتركيبته الخاصة والسلم الأهلي بين بنيه.

هل ذلك فقط؟.

لا طبعا، فالآخرون هم الذين يتلاعبون بوحدة لبنان وسلمه الأهلي وينفخون في نار حروبه الأهلية وصولاً الى الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة فيه.
وعلى من يشك في ذلك أن يعود الى المشهد الخطابي الرخيص في مرأب جمعية التعاون الاسلامي في بئر العبد بعد لحظات من التفجير المدان.

ففيه يبدو جلياً، ومن دون أي رتوش، برنامج العمل الكامل لانقاذ لبنان من الحرب الأهلية من جهة أولى والفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة من جهة ثانية!.