مدة التمديد للبرلمان ترتبط بموعد الانتخابات الرئاسية السورية.. والتسوية الكبرى

في سابقة هي الاولى من نوعها منذ اتفاق الطائف، أقر مجلس النواب اللبناني التمديد لنفسه سنة و5 أشهر تنتهي في 20 نوفمبر 2014، في جلسة حضرها 97 نائبا، صوتوا جميعهم للتمديد، وقاطعها نواب «التيار الوطني الحر».

ووقع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قانون التمديد لمجلس النواب وأودعه الامانة العامة لمجلس الوزراء لارساله الى قصر بعبدا، كما وقع على القانون أيضا رئيس الجمهورية ميشال سليمان لينشر في الجريدة الرسمية لاحقا.
ويعد هذا أول «تمديد نيابي» في مرحلة ما بعد الطائف التي لم تشهد إلا «تمديدا رئاسيا» ولمرتين، مع الرئيس الياس الهراوي ومع الرئيس اميل لحود، وهذا أول «تمديد» يحصل في مرحلة ما بعد الوصاية السورية وممهور بعبارة «صنع في لبنان» ظاهر الأمور على الأقل يوحي بأن التمديد هو نتاج تسوية شيعية ـ سنية أمكن التوصل اليها رغم كل التوتر والتشنج الناجمين عن الحرب السورية، ولا يعرف بعد ما اذا كانت هذه التسوية «ظرفية عرضية» حصلت نتيجة التقاء موضوعي حول «التمديد» وتقاطع «مصالح وهواجس» الطرفين وتقف عند هذا الحد، ام انها مقدمة الى تفاهمات أوسع في المرحلة المقبلة وعلى قاعدة الفصل بين الملفين اللبناني والسوري بالرغم من اعتقاد البعض ان تحديد مدة التمديد واختيارها بعناية ليست له علاقة بانتهاء ولاية الرئيس سليمان وانتخابات الرئاسة بقدر ما له علاقة بانتهاء ولاية الرئيس بشار الأسد وانتخابات الرئاسة السورية في يونيو 2014 التي من المفترض ان تتلازم مع تسوية سياسية كبرى وجلاء الوضع السوري.




النائب وليد جنبلاط لعب دورا محوريا في ترتيب «صفقة التمديد» والتقريب بين الحريري وبري، هذا الدور يذكر بدور مماثل كان قام به جنبلاط في العام 2005 وأدى الى انتاج ما سمي آنذاك بـ «التحالف الرباعي» ومن خلفية امتصاص التوتر الكبير الذي نشب بين الشيعة والسنة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتوزع بين ساحتي رياض الصلح (8 آذار) والشهداء (14 آذار)، المشهد السياسي الذي يرتسم اليوم مع التمديد يذكر أيضا بالمشهد السياسي الذي ارتسم ذلك العام عندما حصل اصطفاف سياسي ـ انتخابي لم يدم طويلا جمع كل القوى السياسية ما عدا العماد ميشال عون الذي جلس وحيدا على مقاعد المعارضة ولم يكن في «حكومة ما بعد أول انتخابات» تجري في ظل الانسحاب السوري ويمكن ان يواجه عون الوضع نفسه في هذه المرحلة ويعود الى صفوف المعارضة ولا يكون في «حكومة ما بعد أول تمديد» يجري على ايقاع الحرب السورية.

«التمديد للمجلس النيابي» ليس نقطة تحول في الوضع اللبناني ولا يغيّر في جوهر وأسس الوضع والمعادلة، ولا يعني أكثر من «تمديد الوضع القائم» تعبيرا عن الفشل والعجز في انتاج وضع جديد، ولكن «التمديد» يغيّر في المشهد السياسي اللبناني وفي قواعد اللعبة السياسية.. ثمن أجواء ومعطيات تكونت في خلال معركة قانون الانتخابات وتبلورت في معرض «صفقة التمديد» توحي بأن الصراع والفرز السياسي الحاد الذي قام منذ العام 2006 على أساس معادلة 8 و14 آذار بدأ عده العكسي، يمكن ان نشهد استمرارا في الشكل لفريقي 8 و14 آذر، ولكن الاستمرار فيما كان عليه الوضع من «زخم وروحية» لم يعد ممكنا شيء ما «انكسر» في العلاقة بين مكونات كل فريق و«عطب ما» أصاب عامل الثقة داخل كل فريق.

هذا التحول في اتجاه انكسار حدة الانقسام العمودي والفرز بين معسكرين كبيرين كان دشنه جنبلاط بعد انتخابات العام 2009 عندما انتقل من ضفة 14 آذار الى ضفة الوسطية محدثا اختلالا سياسيا لمصلحة 8 آذار ويمكن أن يكمله عون بعد تمديد العام 2013 مع تعديل في تموضعه السياسي يكون من نتائجه «التخفيف» من تحالفه مع حزب الله من دون فك هذا التحالف وامتلاك هامش أوسع من المناورة وحرية الحركة والخيارات السياسية، وبين جنبلاط 2009 وعون 2013 كان الرئيس أمين الجميل أرسل أكثر من اشارة تمايز عن حلفائه، وكان تحالف د.سمير جعجع مع الرئيس سعد الحريري يدخل للمرة الأولى في «مطبات هوائية» عنيفة في معركة قانون الانتخابات التي كانت في أحد أوجهها معركة تفاوضية قاسية بين القوات والمستقبل.

التبدل في المشهد السياسي اللبناني المقصود به انه الى جانب الصراع العريض بين فريقي 8 و14 آذار سنشهد «صراعات» جانبية داخل كل فريق وانه الى جانب الصراع السياسي المستمر سنشهد تنامي الصراعات الطائفية وهذا ما ينسحب على حركة الفرز والاصطفاف التي يغلب فيها المنحى الطائفي على السياسي، وبعدما كانت اللعبة السياسية تدور منذ سنوات بين معسكرين وتحالفين كبيرين، فإنها ستتوزع الى محاور عدة وتحالفات جانبية ثنائية او ثلاثية تكون تحالفات موضوعية وتختلف بين ملف وآخر وتبعا لاختلاف المصالح، هذا ما حصل في معركة قانون الانتخابات التي شهدت تقاطعات طائفية خارقة للتحالفات السياسية، وهذا ما حصل في التمديد وهذا ما سيحصل لاحقا في الحكومة، فالتعامل بين الأفرقاء والحلفاء لم يعد «بالجملة» وانما «بالمفرق» و«على القطعة» (إذا صح اعتماد هذه التعابير التجارية).

اذا كان التمديد يسدل الستارة على المشهد الأخير من «مسرحية الانتخابات» التي لم تحصل والقانون الجديد الذي لم يوضع فإنه يرفع الستارة عن مشهد سياسي جديد يبدأ مع انصراف الجميع الى اجراء مراجعة شاملة لمرحلة ما قبل التمديد لتحديد أخطاء التقدير والحسابات والثغرات في العلاقات السياسية، وإذا كان المسيحيون وخصوصا «بكركي وأحزابها» هم أكثر المعنيين بإجراء مثل هذه المراجعة بعدما خرجوا من هذه الجولة بانتكاسة وخسارة، فإن العماد عون هو أول وأكثر المعنيين بمرحلة ما بعد التمديد والأسرع في تلقي ارتداداتها المباشرة، ان على صعيد وضع تكتله السياسي الذي أنقص التمديد عدده، او على صعيد خطته السياسية الطموحة التي أعدت على أساس انتخابات الستين، او على صعيد علاقته مع حزب الله التي ليست على ما يرام.

الأنباء الكويتية