ما لم يُكشَف عن محنة الطائفة السنّية مع الأسير

فما يقوم به الأسير، الذي حاول مواجهة سلاح “حزب الله” بالسلاح، سيؤدّي حتماً إلى نتائج عكسية، ولن يقع هو في الفخ بل المدينة، والطائفة السنّية ككُل، التي ستجد نفسها في مواجهة لم تخطط لها أصلاً، لا من حيث القرار بالتسلح، ولا من حيث الذهاب الى ملعب “حزب الله” الذي انتظر الأسير طويلاً، ليقدِم على الخطوة الخطأ.

فور تحديد موعد الإثنين وما سبقه من بروفة قتال بالسلاح، حاول تيار “المستقبل” على رغم العلاقة المتوتّرة مع الأسير، لا بل العلاقة المنقطعة، أن يوسّط من يقول للأسير: أنت تُورّط الجميع في معركة ليست معركتنا، لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود. أحد النوّاب الصقور في “المستقبل” تولّى الاتصال به ومحاولة ثنيِه عن التحرّك، فكان يرفض ويتحجّج بذرائع استشارة مَن معه من قيادات.




كذلك، طلبت منه جهة أمنية بالواسطة إلغاء مهلة الاثنين الى ما بعد الامتحانات الرسمية، وإلى ما بعد شهر رمضان، فوعد بتلبية الأمر لكنّه نكث بوعده، فربط التحرّك بانتهاء الامتحانات فقط، ما يعني وجود استعداد لديه للتحرّك في فترة زمنية قصيرة، وما يعني أيضاً بقاء التوتّر في صيدا.

خرج مَن توسّطوا مع الأسير بانطباع واحد: الرجل عنيد ويتّجه إلى جرّ الجميع نحو مشكلة كبيرة، لكن لا مجال للتأثير عليه، أو لثنيِه عمّا يريد القيام به. فشلت كلّ المحاولات معه، حتى وصل إلى الاصطدام بحاجز الجيش، حيث أطلق عناصره النار على الحاجز بعد توقيف أحد مناصريه، فأدّى إطلاق النار إلى استشهاد ضابطين على الفور، وبعد وقت وجيز كانت قيادة الجيش اتّخذت القرار بإنهاء ظاهرة الأسير، التي تحوّلت إلى حال مسلحة تطمح لمواجهة سلاح “حزب الله”.

فور بدء المعركة، بدأ الغليان السنّي في معظم المناطق يظهر على شكل قطع طرقات، وإحراق دواليب، وعراضات عسكرية. لكن في مكان آخر كان الرئيس سعد الحريري يتواصل مع قائد الجيش العماد جان قهوجي، ما اعتُبر تغطيةً كاملة للجيش في وجه الاعتداء الذي تعرّض له، ولم يكن مفاجئاً ليلاً أن يؤيّد الحريري التمديد لقهوجي، وهو موقف يأتي استكمالاً للتنسيق الطويل الذي سبق الأحداث في صيدا بشهور، حيث فهم قبل هذه الأحداث أن تيار “المستقبل” كما قوى “14 آذار” ستؤيّد التمديد لقاد الجيش.

على المستوى الأمني، تولّى فرع المعلومات المساعدة في ضبط الوضع على الأرض، في طرابلس وبيروت والبقاع، ليس فقط لأنّ الأسير نكث بكلّ وعوده بعدم الذهاب الى التصعيد، بل منعاً لاستغلال بعض قوى “8 آذار” وأوّلها “حزب الله”، عملية الجيش لتنفيذ ممارسات كالتي حصلت في السابع من أيّار، ليس أقلّها رصاصات غير طائشة استهدفت منزل النائب بهية الحريري، وشهدت مديرية المخابرات عبر الضبّاط الذين أرسلتهم للمعاينة، على تعرّضه لها.

بعد هذا الاعتداء، حصل استفسار بين “المعلومات” و”حزب الله” حول هذا الاستهداف، فكان جواب الحزب أنّ من أطلقوا النار عناصر غير منضبطة، لكنّ الوقائع كانت تقول إنّ التمركز على تلال مجدليون، الذي نفّذه الحزب لم يكن بريئاً.

لم يكتفِ فرع المعلومات بذلك، بل طلب الى مشايخ طرابلس الذين ذهبوا إلى صيدا للتوسّط وعادوا من دون نتيجة ليطلقوا موجة من الشحن، أن يتوقفوا عن ذلك، لأنّ الاعتداء على الجيش مرفوض من جهة، ولأنّ تصلّب الأسير وعناده وعدم تبصُره بمخاطر ما تمّ تحذيره منه، أدّى إلى هذه النتيجة.

لعلّ المفارقة الكبرى في ما جرى بعد انتهاء الجيش من الحسم في عبرا، تمثّلت بإعلان الحريري الموافقة على التمديد لقائد الجيش، بعد ساعات فقط من انتهاء العملية. هذا وحده سيكون كافياً ليس فقط لقراءة موقف القيادات السنّية من خطورة ظاهرة الأسير الذي لم يُقَل في العلن، بل من كلّ هذا المسلسل الغريب الذي انتهى بتواري الأسير، من دون أن يصبح شهيداً، أو أن يُلقى القبض عليه “أسيراً”.

الجمهورية