ما سرّ العلاقة بين شربل والأسير؟

نفى شربل في مؤتمره الصحافي أمس لقاءه الأسير أكثر من مرّة، مع أنّه كان على تواصل دائم وعلاقة ودّية معه. وغضب من أسئلة الإعلاميين بعدما حاول مسابقة قيادة الجيش في قطف ثمار الانتصار على الإرهاب والفتنة في صيدا، على رغم أنّه ترك الأمور تفلت في عاصمة الجنوب، والأسير يسرح ويمرح بغطاء منه، حسب ما كان يتباهى قبل تواريه.

في المرحلة الخطيرة السابقة سُجّلت أعلى مستويات الفلتان الأمني بسبب الأحداث المتنقلة التي لم يشهدها لبنان من قبل. وبالعودة الى أرشيف وزارة الداخلية، وتعداد الوزراء الذين تولّوا هذه الحقيبة قبل الحرب، نرى أنّ الرؤساء كميل شمعون وكمال جنبلاط، وريمون إده وغيرهم تركوا بصمات خاصة، واستعملوا أسلوب الحزم، لأنّ الأمن لا يقوم بالتراضي، بل بالقبضة الحديدية.




لم يسمح أحد من الوزراء الذين تعاقبوا على تولّي هذه الحقيبة بأيّ تفلّت مسلّح، على عكس ما فعل شربل، إذ قدّم الدعم الكامل للشيخ أحمد الأسير، والسبب أنّ عماد الأسدي (فلسطيني) وهو صاحب أحد المجمّعات التجارية في صيدا، وأحد مموّلي الأسير، كان يلعب دور الوساطة بين شربل وإمام مسجد بلال بن رباح في تسهيل مهمّته على الأرض الصيداويّة، نظراً إلى علاقة الصداقة القويّة التي تربط الأسدي بوزير الداخليّة.وعندما يُسأل شربل اليوم عن علاقته بالأسدي، يقول إنّ الرئيس نجيب ميقاتي هو الذي عرّفه عليه، علماً أنّ هذا الأمر غير صحيح.

تُطرح اليوم أسئلة عدّة، تبقى الإجابة عنها برسم وزير الداخليّة:

– لماذا سمح شربل بإزالة إشارة النيابة العامة عن توقيف الأسير وابنه بعدما اعتدى على حاجز سيّار لقوى الأمن الداخلي، وفُتح محضر بالتحقيق في مخفر صيدا القديمة؟ بل على العكس، أمر بتوقيف عنصرين من قوى الأمن الداخلي، ثمّ أعلن أنّ الدوريّة الأمنيّة التي كانت على كورنيش صيدا عوقبت لأنه كان يجب أن تدافع عن نفسها حتى الموت، مع العلم أنّ شربل هو الذي أعطى تعليماته الى النقيب بإخلاء سبيل الأسير وابنه وإعطائهما السيّارة.

– لماذا سمح شربل بدفن الضحايا التي سقطت في الخلاف المستفحل بين مناصري “حزب الله” والأسير في الأملاك العامّة التابعة للدولة اللبنانيّة وتحديداً لوزارة الداخليّة؟ ولماذا لم يتمّ توقيف الأسير وأنصاره بسبب هجومه على حيّ التعمير في مخيّم عين الحلوة، خصوصاً أنّ هذا الاشكال المفتعل أوقع ضحايا وهزّ أمن المنطقة واستقرارها؟

لماذا طلب شربل بإصرار إعلان صيدا منطقة عسكرية إذا لم يكن تهرّباً من مسؤولية قوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنيّة الأخرى، وتوكيل المهمّة الى الجيش اللبناني لوضعه في حال صداميّة مع المسلّحين و”سرايا المقاومة”؟

لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل بات ظهور المسلحين في عهد شربل أمراً عاديّاً، فهو يتمنّى عليهم أن لا يُظهروا سلاحهم لكي لا يحرجوه ويكذّبوا أقواله. هو يؤكّد وجود السلاح في صيدا، لكنّه يتمنّى من وسائل الإعلام عدم عرض صور المسلّحين حتى لا يُكذَّب، ويعاتبها عندما تعرض الصور.

أمّا في الموضوع السوري، فحدّث ولا حرج، فلم يستطع شربل ضبط الفلتان الأمني المترتّب عن النازحين، واكتفى بالندب وتعداد الجرائم التي يرتكبها السوريّون.

وفي الشقّ الداخلي، يؤكّد شربل أنّ “حزب الله” يشارك في القتال ويبرّر ذلك بأنّه يدافع عن نفسه وعن اللبنانيين في القرى السورية، ويبرّر من موقعه المسؤول فتاوى الجهاد الصادرة عن بعض المشايخ بأنّها نوع من إثبات الوجود، واعداً بوقفها قريباً.

أمّا في موضوع المخطوفين اللبنانيين في أعزاز، فيعلن شربل أنّه يتواصل مع الأتراك لكن من دون جدوى، “العين بصيرة واليد قصيرة، والمعادلات التي تحكّمت بالقضية تجاوزت قدراتنا بكثير”.

وبالنسبة إلى طرابلس، يكتفي شربل بإذاعة البيانات التي تقول إنّ القوى الأمنية عزّزت انتشارها في طرابلس وانتشرت في شوارع جديدة في المدينة بالقوّة، لكنّه يعود ويؤكّد أنّ الاجهزة الأمنية “تحتاج 10 آلاف جندي للسيطرة على طرابلس، وهذا غير متوافر”، وبذلك يكون برّر استمرار الحرب المفتوحة في المدينة.

وختاماً مع سجن رومية، كان شربل عند فرار السجناء أو أيّ محاولة هروب، يستنتج أنّ المساجين يستغلّون عدم وجود أبواب في السجن لمحاولة الهرب، ويقدّم تبريرات تختزل بأنّ “كلّ مسجون في العالم يفكّر في الهرب”.

يستطيع المواطن العادي أن يقلق على الوضع الأمني، لكنّ إقرار شربل بأنّه يخشى انفجار الأوضاع ما دامت الأمور سائرة كما هي، ومشاهدته في الأفق غيوماً سوداء، تتطلّب منه سرعة الحزم، وعدم تذرّعه بغياب الغطاء السياسي لأنّه كان في حكومة من لون واحد، لكن ظهر جليّاً للّبنانيين أنّ شربل يقع في كلّ مرّة أسير مواقفه.

الجمهورية