جنبلاط عن المستقبل : مخيف أن يتداعى إسلام اﻻعتدال ونتيجة التقصير والتخبط داخل تيار سياسي رئيسي

حالة الغوغاء التي شهدتها بعض المناطق اللبنانية هي بمثابة جريمة بحق الجيش اللبناني ومشروع الدولة، وهي طعنة في الصميم بحق الشهداء اﻻشراف الذين سقطوا أثناء قيامهم بواجبهم الوطني لتثبيت اﻻستقرار والسلم الأهلي. إن أي محاوﻻت لتشويه صورة الجيش بعد ما حققه من إنجاز نوعي مرفوضة بالمطلق وليس لها ما يبررها.

 




وكم هو محزن ومخيف في الوقت ذاته أن نشهد ما شهدناه في طرابلس من إحراق صور وإنزال أخرى لرمز من رموز اﻻعتدال السياسي أي الرئيس سعد الحريري في ساحة طرابلس التي هي باﻻساس ساحة رشيد كرامي الذي كان رمزاً من الرموز الوطنية واﻻعتدال اللبناني.

 

وكم هو محزن ومخيف أن يتداعى إسلام اﻻعتدال الذي عمل في سبيله الرئيس الشهيد رفيق الحريري وواجه آنذاك مجموعة الضنية وقدم كل الدعم للجيش، وتلاه ﻻحقا الرئيس سعد الحريري أثناء أحداث مخيم نهر البارد، ان يتداعى نتيجة سياسات التحريض المستمرة ونتيجة التقصير المتواصل في تحمل المسؤوليات السياسية والتخبط داخل تيار سياسي رئيسي مما أوصل اﻷمور الى هذا الحد من التطرف واﻻحتقان.

 

إن من مصلحة جميع اللبنانيين تعزيز منطق اﻻعتدال بدل السقوط في أفخاخ التطرف الطائفي الذي إذا ما يتنامى يصبح كالوحش الذي يصعب لجمه، والطريق اﻻسرع واﻻقصر واﻻجدى لتحقيق هذا الهدف تكون عبر دعم مشروع الدولة ومؤسساتها وفي طليعتها الجيش والقوى الأمنية الرسمية ﻷنها الملاذ اﻷخير للبنانيين وأملهم في حماية اﻻستقرار وإستعادة الطمأنينة المفقودة، وعبر مواجهة الفكر المتطرف حتى ولو كان احيانا على حساب الاعتبارات الشعبية.

 

من هنا، نرفض كل أصوات التشكيك التي يرقى بعضها الى مستوى التحريض. وﻻ بد من وضع حد للتأويلات حيال معركة صيدا التي ترمي لتشويه اﻻنجاز النوعي الذي حققه الجيش وتكبد في سبيله أثمان باهظة من خلال إستشهاد كوكبة من خيرة ضباطه ورتبائه وجنوده الذين ضحوا بحياتهم في سبيل اﻻستقرار.

 

ولكن، وفوق الجراح، ﻻ بد من تحقيق داخلي من ضمن المؤسسة العسكرية في ظروف وفاة السيد نادر البيومي تحت التعذيب ومحاسبة المسؤولين عن ذلك، إنما بعيدا عن الضوضاء الاعلامية. وهذا يصب في مصلحة الجيش ومصداقيته بالدرجة الأولى ويبعده عن أي سلوكيات ﻻ تتناسب مع مسيرته الوطنية وتضحياته اﻻستثنائية.

 

لقد أثبتت اﻷحداث اﻷخيرة صحة الشعار الذي لطالما رفعناه وهو أن مسألة السلاح ﻻ تعالج بالسلاح، فهذا أمر مرفوض تماماً ﻷن في ذلك ما قد يفضي لدخول اللبنانيين في سباق التسلح، وحصل جانب من ذلك فعلاً حتى اللحظة ما جعل التدهور اﻷمني حالة يومية متنقلة. لذلك، ﻻ مفر من العودة إلى الحوار ﻻنتاج تفاهمات الحد اﻷدنى في تنظيم الاختلاف السياسي وتنفيس اﻻحتقان الشديد الذي يرتدي طابعاً مذهبياً وطائفياً.

 

أخيراً، حول هذا السجال المفتعل حيال الصلاحيات بين الرئاستين الثانية والثالثة، فلماذا استفاق بعضهم اﻵن على التوازن بين الرئاستين مستقدما الدعم من قيادات طائفته لهذه الغاية؟ ألم يتم التمديد للمجلس النيابي تحت أنظار وبإشراف الحكومة المستقيلة؟ فماذا تغير؟ ألم تشارك كل القوى التي دبت فيها الغيرة المفاجئة اليوم في تسوية التمديد للحفاظ على اﻻستقرار؟

 

فما هذه اﻻزدواجية في السلوكيات التي تقوم بالشيء وعكسه وتتلطى خلف عناوين براقة في لحظة سياسية ﻻ تحتمل المزيدات وتسجيل البطولات الوهمية؟ أﻻ تقتضي الضرورات تجاوز هذه اﻻعتبارات غير المفهومة في أهدافها وتوقيتها لصالح إقرار التمديد لقائد الجيش وإحتضان المؤسسة العسكرية في هذه الظروف الحساسة باﻻضافة الى إقرار سلسلة من القوانين اﻻخرى ذات اﻻهمية والفائدة بالنسبة لقضايا معيشية ومطلبية هامة؟ كفانا مناكفات حول صلاحيات الرئاسة الثالثة.