سوريا: إنضاج الحلّ السياسي في «الميدان» – غسان جواد – الجمهورية

 

كلّ ما يمكن أن تصل إليه واشنطن وموسكو حيال الشأن السوري، جرى الإعلان عنه أخيراً.




البيان الذي تلاه وزيرا خارجية البلدين من روسيا، والحديث عن مؤتمر دولي، وإعادة الحياة الى مقرّرات “جنيف 1” والحلّ السياسي وغيرها من الأدبيات المعلن عنها، لا تعدو كونها “إعلان نيّات” من لاعبين أساسيّين في المسألة السورية، إلّا أنهما ليسا اللاعبين الوحيدين في قضية أصبحت جزءاً من صراع قوى كثيرة ومستويات متفاوتة داخلياً إقليمياً ودولياً.

 

لا شيء جديداً على صعيد المشاورات الجارية للدفع بالحل السياسي الى الأمام. المستوى الدولي المتمثل بروسيا واميركا وصل الى أقصى ما يقدر عليه. والمستوى الاقليمي انقسم بين مرحّب ورافض للنيّات الاميركية – الروسية والردّ كان من خلال تزخيم “الميدان”، والتصعيد العسكري على الارض. سوريا الدولة وضعت شروطها لحضور أي مؤتمر يمكن ان ينعقد للحوار مع المعارضة، والأخيرة عبّرت عن رفضها أي حوار مع النظام في تظهير دقيق لمواقف الدول الإقليمية الراعية لها. رئيس الوزراء التركي رجب طيّب اردوغان كان الأكثر وضوحاً في محور “الحرب على سوريا”: لا حلّ بوجود الأسد، وبالتالي الدوران دولياً وإقليمياً وسورياً في حلقة مفرغة تمدّد العنف وتجعل الحوار والحل السياسي بعيد المنال.

 

تقول أوساط سورية مطلعة، إنّ العام 2013 قد لا يشهد الكثير من التغييرات الجوهرية على المشهد السوري. وهي ترى الواقع على الشكل الآتي:

 

– سنتان ونيف مرّتا على اندلاع الازمة السورية، النظام لم يسقط واثبت قدرة على القتال والمناورة والمبادرة سياسياً وعسكرياً على الارض، وأنه يمثل “مصالح” غالبية معتَبرة من السوريين الذين لم يخرجوا على الدولة.

 

– الجيش السوري يستعيد مواقع ومرافق مهمة ونقاط استراتيجية كان قد خسرها سابقاً، وهو موجود في كل المحافظات ويقاتل بفاعلية حتى في الشمال السوري حيث يظنّ البعض أنها أصبحت منطقة خاضعة للمعارضة.

 

– الدول المنخرطة في دعم الجماعات المسلحة بدأت تراجع حسابات الربح والخسارة وتنظر الى مستقبل هذه الازمة.

 

وتضيف الأوساط عينها: على هذه المعطيات تقدّم الاميركيون خطوة الى الأمام وأعلنوا عنها في موسكو. وزير الخارجية الأميركي جون كيري قدّم “تنازلات” واضحة امام نظيره الروسي سيرغي لافروف. أعلن عن ضرورة الحوار بين الحكومة والمعارضة، وهذا تقدّم ملموس في مفردات واشنطن التي كانت “تسوّق” لما يجري في سوريا على انه “ثورة شعب ضد النظام”. عادت واشنطن وتراجعت أو أعطت اشارات متناقضة حيال هذا الاعلان. وكانت مسارعة كيري الى القول بعد موسكو “إنّ الرئيس الأسد لن يكون جزءاً من الحلّ السياسي”، استجابة لضغوط إقليمية تركية – خليجية. فقد شعر المستوى الاقليمي بالحرج وبقرب انتهاء دوره في الازمة، فمارس ضغوطاً متعددة على واشنطن لإعادة النظر في موقفها هذا. وهنا عاد الحديث عن تسليح المعارضة والجماعات المسلحة وتقويتها وتفعيلها، وكأن هناك من طلب من واشنطن فترة سماح زمنية لتحقيق خطوات على الارض وفي السياسة وعبر الجامعة العربية والامم المتحدة ضد سوريا من أجل المزيد من افقاد النظام مشروعيته وتطويقه بين السياسة والعسكر.

 

بناء عليه، ترى الاوساط السورية أن الزخم السياسي خَفَت ولم يعد اولوية، وعاد “الميدان” ليتقدم فيما يمكن تسميته “الحوار بالنار”. سوريا تعتبر الرئاسة مسألة سيادية لا تقبل بحثها من دول اخرى. الانتخابات الرئاسية سنة 2014، والرئيس الأسد بحسب هذه الاوساط مرشح بشكل طبيعي وقد أثبتت الازمة انه يمثل غالبية معتبرة من السوريين. النصف الاخير من العام الجاري قد يشهد هبوطاً وصعوداً في مشاورات الحل السياسي، لكنّ النيات الروسية – الأميركية وحدها لا تكفي، ولا بدّ من عمل حثيث لإنضاج ظروف التسوية السياسية. دمشق لديها تصوّرها الذي اعلنت عنه للحل، وترفض الخوض في التباسات “جنيف 1” والتفسيرات المتعددة حياله، كما ترفض ان يناقش اي مؤتمر مقبل مسائل سيادية سورية خاضعة للدستور والقانون. وغير ذلك من كلام سيجيب عنه المدفع والبندقية والصاروخ.

 

سنة 2013، سنة استعادة الارض في الأجندة السورية. وبعدها سيخلق الميدان وقائع حاسمة سيضطر الجميع معها بأن يتعاملوا بواقعية سياسية كانت مفقودة طوال الأزمة