بين الأرثوذكسي والمختلط وشِعْر المسيحيّين! – د. أنطوان أ. سعد – الجمهورية

 

يوم أُقرَّ قانون 1960 كقانون تسوية لم يكن مقدّراً له أن يعيش طويلاً لأنّ ما من أحد يشيد بفضائله. ويوم طُرح مشروع اللقاء الأرثوذكسي على بساط البحث، خابت آمال الذين يرغبون الانتقال بالبلاد من الحال الطائفية إلى الحال الوطنية، ولو أنّ ذلك مستحيل في ظل دستور طائفي، إذ أعاد هذا الطرح آلية الإقتراع إلى أكثر مما ذهبت إليه تعليمات شكيب أفندي، فاقترح الاقتراع على أساس الانتماء الطائفي الصافي، ما دفع البعض (المكوّنَين السنّي والدرزي) إلى اعتباره مشروع عزلة جديدة للمسيحيين، فهدّدوا بعدم حضور جلسة التصويت عليه. علماً أنّ فخّ النسبية بارز المعالم في هذا المشروع لأن فريق الثامن من آذار يحصد فيه الأكثرية من دون التحالف مع الحزب التقدمي الاشتراكي وهو لذلك لم يطرحه مع النظام الأكثري.




 

ولم يسلم القانون الانتخابي عند هذا الحدّ، فجاء اقتراح قانون تسوية جديد (القانون المختلط) وفيه تعويذة جديدة لا نتمنّى له إذا أقرّ أن يستديم في ثباته زهاء نصف قرن آخر، وهو الاقتراح الذي أقلّ ما يقال فيه أن لا قاعدة دستورية له ولا معيار علمياً له ولو بالحد الأدنى منه.

 

وقد كان مطلب المسيحيّين في الأساس تحقيق المناصفة وصحة التمثيل القابعين على قلب قانون 1960، لكن القانون المختلط نقل المقاعد الكسروانية والمتنية في الجانب النسبي منه من دوائر خاضعة مباشرة لقدرة الناخب المسيحي على إيصال مرشحيه إلى دوائر تقع تحت تأثير فكَّي الصوتين الدرزي والشيعي في آنٍ معاً. والأمر نفسه اعتمد في جزين والزهراني ولا حاجة لذكر المقعد الأرثوذكسي في مرجعيون. وكذلك فعل في دوائر الشمال عندما نقل في الجانب النسبي منه قِسماً من المقاعد في دائرتَي زغرتا والكورة ووضعها في دوائر كبيرة، فخفَّف من قدرة التأثير المسيحي لإيصال مرشحيهم بعدما وضع هذه المقاعد في دائرة ذات أغلبية سنّية، ولم تسلم بيروت والبقاع من هذا الأمر أيضاً.

 

أما الطامة الكبرى، فكانت في اقتراح تقسيم جبل لبنان إلى محافظتين دون سائر المحافظات! فلم يَأخذ الاقتراح بالمحافظات التسع الإدارية أو بالمحافظات الخمس الإدارية السابقة (أو الانتخابية كما اعتمدت في زمن الوصاية) وفي محصلة هذا القانون، لا يمكنه أن ينتج أكثر من 51 نائباً بتأثير أو بقدرة الصوت المسيحي المباشر وغير المباشر.

 

هذا كله، ولم تصطدم رؤية القوى السياسية بمشاريع أخرى على قواعد دستورية وقانونية تستقيم معها المناصفة واللعبة البرلمانية في آنٍ معاً، فمشروع الدائرة الفردية يزعج فئة معينة أو يحرجها، ومشروع One person one vote يزعج فئة أخرى أو يزعجهما ويحرجهما معاً لا فرق، فجاءت الخلطة السحرية التي تعوّد الشعب اللبناني أن يأخذ من جرعاتها مُكرهاً لا بطلاً تُحاك له الأثواب ويلبسها مرغماً، لكنه هو من انتخب هذه الطبقة السياسية وهو من يتحمّل ما تقترفه أيديها.

 

أما عن طرح فكرة المناصفة والاستناد إلى المادة 24 من الدستور للمطالبة بقانون انتخابي عادل يؤمّن صحة التمثيل فيستولد المسيحيون 64 نائباً بإرادتهم، فبات هذا الأمر شِعراً أو ضرباً من الخيال وأمراً غريباً! لكن الأغرب أنني لم أسمع يوماً أنّ البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير الكلي الطوبى ألقى شعراً لا سيّما عندما طرح في نيسان من العام 2005 شعار “الدستور أعطانا 64 نائباً ونريد 64 نائباً”.