الطائف يستجير بأمه! – نبيل بومنصف – النهار

مع تصديق مجلس النواب اليوم التمديد لنفسه سنة وخمسة اشهر استنادا الى نظرية “الظروف الاستثنائية” تكون جمهورية الطائف استجارت للمرة الخامسة على الاقل بجمهورية 1943 في اعراف وسوابق غالبا ما تعد انتهاكات للدستور وتسوغها الضرورات التي تبيح المحظورات.

تحت حكم الوصاية السورية وبعد انقضائها جرى التمديد للرئيسين الياس الهراوي واميل لحود استنادا الى تجربة التمديد للرئيس بشارة الخوري. وجرى انتخاب قائدين للجيش رئيسين للجمهورية هما الرئيسان إميل لحود وميشال سليمان استنادا الى تجربة الرئيس فؤاد شهاب. وفي عام 2008 استعيد قانون 1960 الانتخابي سبيلا وحيدا لاطاحة قانون غازي كنعان. واليوم ينفض مجلس النواب الغبار عن ثمانية قوانين مددت لمجلس 1972 ليصدر قانون التمديد التاسع.




ولعلها مفارقة مفجعة ان يؤول التطبيق الاستنسابي لاتفاق الطائف على يد الوصاة السوريين ثم على ايدي الطبقة السياسية الى استجرار الماضي كلما اختنقت البلاد باستحقاقاتها وازماتها. ولكن الامر لا يقف عند حدود التفجع حين تملي الواقعية الشرسة استخلاص العبر اذا كان هناك من لا يزال يتبصر. فالرمزية القوية التي تكتسبها اطلالات جمهورية الطائف على جمهورية الاستقلال الاول، قد تملي على المسيحيين تحديدا اعادة النظر في عقم البحث عن قانون انتخابي ينتج مناصفة كاملة صافية.

يقتضي الاعتراف هنا بان القوى المسيحية خاضت هذه المرة اكبر واوسع واقوى جهودها وحتى معاركها للتوصل الى قانون كهذا واخفقت في التوصل اليه، سواء بدوافع واسباب مبررة او بفعل سوء ادارة مسيحية عامة لهذه المعركة. واذا كان لكل منها ان تجري حسابات المراجعة النقدية الصارمة والصريحة لهذه التجربة، فان ذلك لن يسقط حقيقة مرة هي ان اي قانون انتخابي لا الآن ولا غدا سيكون على قدر طموحات المسيحيين وسط مضي ميزان القوى نحو تعميق الخلل بين المناصفة “المكتوبة” في الدستور والواقع المتبدل بقوة على الارض. وما دامت الاستجارة بالجمهورية الام الراحلة باتت من الاعراف المتكررة بعد الطائف، فلربما صار على المسيحيين ان يبدلوا وجهة البوصلة ويذهبوا نحو تعزيز صلاحيات رئاسة الجمهورية كهدف مشروع خصوصا في ظل محاولات متكررة قام بها رؤساء ما بعد الطائف واصطدمت ايضا بجدران مسدودة.

وثمة عشرة اشهر فقط لحلول المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس الجديد، فلماذا لا تلتقط كفرصة مسيحية لاستخلاص العبر القاسية واظهار اداء مختلف يفرض قواعد جديدة للعبة بدلا من مراكمة الخسائر في معارك التنافس والاستنزاف والتهميش؟

وما دامت جمهورية 1943 لا تزال مصدر “إلهام” عجائبي في ايامنا هذه، فلماذا لا يلتقط احفاد المؤسسين هذه السانحة وهم الاولى بها وسط اشتداد الحاجة الى دور مسيحي رائد ومقدام؟