الشيوعي اللبناني يعفو عن قتلة مهدي عامل و حسين مروه وجورج حاوي

ذكرى اغتيال المفكر الشيوعي الفيلسوف مهدي عامل، فرصة للبحث بعلاقات حزبه الشيوعي اللبناني، مع قاتله حزب الله. ليس من السهل تفهم علاقة الحزب الشيوعي اللبناني وحزب الله، فتلك العلاقة المريبة مرت في كثير من التقلبات وتراوحت فيما بين العداوة و التحالف الوثيق. حول اغتيال مهدي عامل قالت ماري الدبس نائب أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني لجريدة المناضلة المغربية في 22 نوفمبر 2006 شهدت تلك العلاقات (وتقصد بها العلاقات فيما بين الحزب الشيوعي اللبناني وحزب الله) تحولات كبيرة منذ عقدين.” قبل عشرين عاما، شن حزب الله حربا بلا هوادة ضد الشيوعيين. أعتقد أن الاتجاه السلفي الإسلامي الممثل بوجه خاص بحزب الدعوة حزب سلفي بقواعد في العراق وإيران، ليست شيعية وحسب، بل ذات أغلبية شيعية كان يرى في الحزب الشيوعي نقيضه في كل شيء. كان يسعى لإلغاء كل فكرة عن العلمانية والانفتاح وفلسفة مغايرة الخ. بدأت العلاقات متوترة للغاية ووصل حزب الله حد اغتيال العديد من رفاقنا، وبوجه خاص مثقفين وأطر جامعية. قتلوا على سبيل المثال مهدي عامل الذي كان اشتغل على مسائل الاستعمار والدين، وهو مثقف بارز وفيلسوف مرموق.

واغتالوا أيضا حسين مروة، فيلسوف كبير ألف كتابا في غاية الأهمية بعنوان “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” والمترجم إلى اللغة الفرنسية. كان قد بدأ شيخا و ذهب للدراسة في النجف بالعراق. هناك اكتشف أن الامر لا يرضيه وأصبح شيوعيا. إن مؤلفه في غاية الأهمية. نشبت معارك صغيرة سواء في بيروت أو في البقاع الغربي، في مناطق عديدة، حيث كان ميزان قوى يتيح قضاء طرف على آخر.




ساعد ذلك أيضا ميل سوريا الى استئصال شيوعيي المقاومة الوطنية. كان ثمة تفاهم ما بين القوى السورية وحزب الله وقوى اخرى ايضا. كنا ملاحقين، وكان ثمة رفاق ذهبوا للقيام بعمليات مقاومة واغتيلوا واطلق عليهم النار من الخلف “. حول كيفية تطور علاقات الحزب الشيوعي مع حزب الله وتوجهها من العداء نحو التحالف تقول ماري الدبس في نفس المقابلة “تطورت العلاقات إيجابيا. كان في السجون والمعتقلات الإسرائيلية شيوعيون وأعضاء في حزب الله جنبا إلى جنب. كانوا أغلبية شيوعية وأعضاء أقل في حزب الله. هناك تعارفوا، وخلق ذلك علاقات بين أطر المنظمتين. وبعد الإفراج عنهم، تطورت العلاقات إلى هذا الحد أو ذاك”.

أما السبب الأهم الذي أدى الى ذلك التطور حسب دبس أيضا فهو عروبة حسن نصرالله وتوجهه العروبي ” أن حزب الله تطور فكريا، وبوجه خاص بعد انتخاب حسن نصر الله الى منصب الأمين العام، لأنه وهذه وجهة نظري مع رفاق عديدين عربي أكثر بكثير مما هو مسلم، أي أنه يرى الأشياء بعيون عربي: إنه لا يسعى لتحرير القدس لكونها من مقدسات الإسلام، بل لوجوب عودة الفلسطينيين إلى أرض أسلافهم، وقيام دولة خاصة بهم… له رؤية مغايرة لمن سبقوه”. للتعبير عن سخطه من حالة اللامبالات التي عاشها ما كان يسمى حينها الشارع الوطني قال زياد الرحباني الذي تغير بدوره كالحزب الشيوعي اللبناني وأصبح من أشد المعجبين بحزب الله ويرتدي قبعتهم ويحضر مهرجاناتهم ويهلل لسيدهم حسن نصرالله، ويقبض من جريدتهم الأخبار في برنامجه المشهور عبر أثير صوت الشعب ” العقل زينه”

” الاثنين الماضي صباحًا كنا عم نشتغل على هيدي الموسيقى اللي مارقة… قتلوا حسن حمدان، المجهولين، الجهال، طيب.

-الثلاثا تنادى المثقفون الى كلية الآداب وعبّروا، باجتماع عام، عن سخطهم للجريمة النكراء، وأصدروا بيانًا ساخطًا.

-الأربعا..: رياحة، وإعادة نظر وتحضير لإضراب الخميس.

-اليوم الخميس: إضراب عام، الذروة…،

-وغدًا الجمعة، بعد الذروة: الإضراب بفرق نهار بسبب نمط صدور الصحف، الإضراب بكل الصحف الوطنية والإعلام الديمقراطي الوطني.

-بعد بكرة السبت: السبت لليهود، والحالة بلشت… يعني شبه استعادت.

-الأحد للرب، وعطلة عامة حتكون، يعني الرملة البيضا هلق هجم الشوب والجناح والأوزاعي شماسي للشمس.

-الاثنين الجاي: الحالة طبيعية، ولتكون طبيعية أكثر لازم يرجعوا يقتلوا حسن حمدان مرة ثانية، أو يقتلوا حسن حمدان ثاني…”.

بعد ستة وعشرين عاما يمكننا مرة ثانية سماع حلقة مهدي عامل في العقل زينه وكأن شيئا لم يتغير فمن يفترض بهم انهم رفاق مهدي عامل جل ما تفتقت عنه عبقريتهم هو دعوتهم لاحياء تراثه بوضع زهرة على قبره ” بمناسبة التاسع عشر من أيار “يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العلمي”، -اليوم الذي تم اعلانه منذ 26 عاما اثر اغتيال الرفيق المفكر مهدي عامل – تدعوكم منطقية بيروت في الحزب الشيوعي اللبناني، الى ملاقاتها نهار الجمعة 17 آيار عند الساعة الخامسة من بعد الظهر قرب جامع الخاشقجي، بهدف التوجه الى مقبرة الشهداء لتقديم التحية ووضع اكليل من الزهر على ضريح رفيقنا مهدي عامل”. وكأن رفاقه مصرين على تجاهل سبب قتله وقاتله، وكأن لسان حالهم يقول ” عفى الله عن ما مضى” . أما السؤال الأهم الذي يطرح نفسه فهو لماذا مهدي عامل، ورفاقه، حسين مروة، وخليل نعوس، وسهيل طويله، والقائمة تطول.

وضع مهدي عامل، منظومة فكرية نظرية قائمة على المنهج العلمي الماركسي والصراع الطبقي، وصاغ من خلالها مفهوماً جديداً للتاريخ حيث لم يعتبره حدثياً، أو مجموعة أحداث متتالية، بل بما هو علاقة بُنى اجتماعية محدّدة تتوّلد بها الأحداث، وعن تطوّر البنية الاجتماعية في العالم العربي فقد عرّفها بأنها بنية علاقات انتاج كولونيولية، اي مرتبطة بنيوياً بالسيطرة الامبريالية تغذّيها وتعيد انتاجها البورجوازيات العربية الحاكمة والمسيطرة، والتي لها مصلحة اساسية فيها من اجل تأبيد حكمها وسيطرتها في بلدانها وعلى شعوبها. من هنا تصبح المهمة الاساسية لتحرّر هذه الشعوب العربية كامنة بالضرورة في ثورتها اولاً على سلطاتها الحاكمة ، الحامية لتلك العلاقات، وبالتالي لكسرها.

ها قد بدأت هذه الشعوب بكسر أغلالها… فمن يقف في وجه تحرّرها وحريتها تحت اي ذريعة كانت، انما هو شريك للسلطات المرتبطة بالامبريالية، وبالتالي هو يخدم هذه الامبريالية بشكلها الحالي من حيث يدري اولا يدري، وهذا هو حال حزب مهدي عامل ورفاقه الذين تحالفوا مع قاتله، والنظام السوري الذي أنهى مقاومتهم، وأعطى الأوامر باطلاق النار على مفكريهم ومقاوميهم في ظهرهم كما نقلت في السطور الأولى عن ماري الدبس.صحيح ان طريق النضال والتغيير ومسار ثورات الربيع العربي طويل وشاق، لكنه سيكون بدايةً لتبلور هوية طبيعية جديدة. علّ مكوّنات كياننا اللبناني الذي محضه مهدي عامل اهتمامه الأكبر دراسة وتحليلاً ونقاشاً ونقداً، تعي ضرورة خلق هويتها الوطنية الجامعة العلمانية. في ذكرى مهدي عامل نفتقد فكره ونضالات حزبه المتراجع من العلمانية الى الاسلامية، ومن الشيوعية الى الشيعية السياسية. لم يكتفي حزب مهدي عامل، وحسين مروه، وسهيل طويله، وخليل نعوس، وجورج حاوي الذي هناك شكوك حول إمكانية أن يكون حزب الله متورط بإغتياله، بالتعاون مع أحد القياديين الحاليين في الحزب الشيوعي والذي حكي عن وجود ما يشير اليه في سيارة جورج حاوي بعد إغتياله، بالتخلي عن شهدائه فقط، أم يطور تراجعه بتخطي قبول الاعتداء على الشعب السوري من قبل حليفه حزب الله تحت شعارات وهمية وواهية والذهاب الى الدفاع عن حليفيه نصرالله والأسد وصولا الى إرسال مقاتلين للدفاع عن السيدة زينب.