الدولة السورية انهارت والكانتونات آتية مع الأسد أو من دونه

ترفرف رايات الجهاد السوداء على مناطق واسعة من شمال سوريا، وفي الوسط ينتشر شبيحة النظام ومقاتلو حزب الله على رقعة شاسعة من الأرض بدعوى الدفاع عن سكانها الشيعة. وفي الشمال الشرقي، أقام كرد سوريا إقليمًا يتمتع بشبه حكم ذاتي.

 




وبعد ما يربو على عامين من النزاع، يرى مراقبون في هذه الخريطة دليلًا على تفكك سوريا، مشيرين إلى أن حشدًا من الجماعات المسلحة التي تقاتل من أجل أجنداتها الخاصة تقيم عمليًا ملامح اقطاعيات مسلحة قائمة بذاتها. ومع اتساع رقعة الحرب واشتداد ضراوتها، يبدو أن ضحيتها الأكبر هي وحدة الأراضي الاقليمية للدولة السورية.

 

وكان الرئيس الاميركي باراك اوباما اجتمع الخميس في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، وأكد مجددًا فكرة حل الأزمة سياسيًا، يعتمد على قبول المعارضة والنظام حضور مؤتمر دولي اتفقت الولايات المتحدة وروسيا على عقده في حزيران (يونيو). وأعلن اوباما انه سيواصل تشديد الضغط على النظام السوري والعمل مع المعارضة من اجل سوريا متحررة من طغيان الأسد.

 

انهارت فعلًا

 

في وقت تتزايد الأدلة على وقوع مجازر واستخدام اسلحة كيمياوية، يقول خبراء سوريون في الداخل إن تركيز الولايات المتحدة على التغيير الفوقي يتجاهل الشروخ العميقة التي احدثتها الحرب في المجتمع السوري، إذ تبدو سوريا ممزقة أشلاء لا يمكن لسلطة واحدة أن تعيدها إلى سابق لحمتها في وقت قريب.

 

وبدلًا من الدولة الواحدة، أخذت تنشأ ثلاث دول، سوريا موالية للنظام وايران وحزب الله، وسوريا يسيطر عليها الأكراد المرتبطون بحزب العمال الكردستاني في تركيا والعراق، وسوريا ذات أغلبية سنية يتمتع الاسلاميون والجهاديون بنفوذ واسع فيها، على حد قول صحيفة نيويورك تايمز، ناقلة عن أندرو تابلر، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قوله: “ان سوريا انهارت فعلًا”.

 

واضاف تابلر الذي نشر كتابا عن معركة واشنطن في سوريا: “الكثير قد تغير بين السوريين، ولا أستطيع أن أتخيل عودة اللحمة إلى سوريا”. وما يعمق عملية التفكك هي الاعمال الوحشية التي يرتكبها مقاتلون من سائر اطراف النزاع والطبيعة الطائفية المتزايدة لهذا العنف.

 

وشهدت الفترة الماضية أمثلة كثيرة على ذلك، فشبيحة النظام انقضوا على مناطق ساحلية مستهدفين المدنيين السنة. وجماعات مسلحة اسلامية محسوبة على السنة هاجمت مزارات طوائف أخرى. وشاهد الملايين شريط الفيديو الذي ظهر فيه قائد احد فصائل المعارضة في حمص يمثل بجثة جندي ميت ويأكل قلبه.

 

التعايش المفقود

 

يرى محللون أن هذا التحول في طبيعة العنف سيكون أبلغ أثرًا على مستقبل سوريا من المكاسب التي يحققها أي من أطراف النزاع على الأرض، بجعله من الأصعب بكثير على المكونات المذهبية والقومية المتعددة التي اعتبرت سوريا وطنها المشترك منذ زمن طويل على العودة إلى تعايشها السابق. ومع تأرجح ميزان القوى بين المعارضة والنظام، تتكرس الانقسامات الجغرافية وتتعمق.

 

وبعد التراجع المطرد لقوات النظام خلال العامين الأولين من النزاع، أخذت في الاسابيع الأخيرة تحقق تقدمًا على عدد من الجبهات المهمة وخاصة في محافظة درعا جنوبي سوريا وريف دمشق ومدينة حمص في الوسط وريفها. ويتوقع محللون أن تؤدي هذه التطورات إلى تكريس الانقسامات التي تمزق الأراضي الاقليمية للدولة السورية.

 

ونقلت نيويورك تايمز عن جوزيف هوليداي، الباحث في معهد دراسة الحرب في واشنطن، قوله إن النظام يئس من محاولة استرداد المناطق البعيدة عن دمشق، منذ عملت الانشقاقات الجماعية لأفراد الجيش السوري على تقليص قوات النظام.

 

وركز النظام على تشديد قبضته على الأرض الممتدة من دمشق إلى حمص في الوسط وغربا باتجاه المنطقة الساحلية المأهولة بالعلويين. وباستثناء الغارات الجوية والقصف المدفعي، فإن الأسد لم يجرؤ على القيام بمحاولة جدية لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في الشمال والشرق.

 

وازداد اعتماد الأسد على الشبيحة الذين ينتمي غالبيتهم إلى الطائفة العلوية وأقليات اخرى، كما ساهم حزب الله في تعزيز قوات النظام بارسال مقاتلين إلى منطقة الحدود قرب بلدة القصير. وفي الفراغ الذي تركته سلطة الدولة شمال سوريا وشرقها، بسطت قوات المعارضة سيطرتها وسعت إلى اقامة ادارة مدنية تسد هذا الفراغ.

 

شروخ عميقة

 

لكن استمرار الحرب بلا حسم، والصراع على الموارد، احدث انقسامات في صفوف المعارضة المسلحة نفسها. ولا توجد صلات حقيقية فاعلة بين قائد قوات المعارضة اللواء سليم ادريس والألوية الرئيسة على الأرض، بحسب نيويورك تايمز.

 

وشهدت الفترة الماضية معارك متزايدة بين المقاتلين على حساب تشكيل جبهة موحدة ضد النظام. ولاحقت الهيئة الشرعية في حلب قبل ايام مقاتلين متهمين بارتكاب اعمال نهب، وصادرت شاحنات محملة بالمسروقات.

 

ونُشر شريط فيديو ظهر فيه قائد من جبهة النصرة في شرق سوريا يقف وراء 11 أسيرًا مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين. وبعد أن قرأ الحكم الذي اصدرته بحقهم محكمة اسلامية أدانتهم بقتل سوريين، أطلق النار على مؤخرة رأس كل منهم، الواحد تلو الآخر.

 

وفي الحسكة ذات الأغلبية الكردية شمال شرقي سوريا، استقبل السكان عائلات كردية نازحة، وشهدت المحافظة توسعًا كبيرًا في تعليم اللغة الكردية في المدارس، وتشكيل ميليشيات محلية اشتبكت مع كتائب معارضة. ويرتبط كثير من أكراد المنطقة بمنظمات كردية في العراق وتركيا، ويأملون بأن تمكنهم الانتفاضة من تحقيق الحكم الذاتي في منطقتهم.

 

لا تُبقي هذه الشروخ العميقة في جسم الدولة السورية مجالًا واسعًا للتفاؤل بعودة سوريا موحدة تحت قيادة واحدة في المستقبل القريب. وقال هوليداي: “المآل الحقيقي الذي أراه في السنوات الخمس إلى العشر القادمة هو سلسلة من الكانتونات توافق على هدنات تكتيكية حين تتعب من سفك الدماء، وهذا المسار قائم بوجود الأسد أو من دونه”